الثلاثاء، 3 نوفمبر 2020

قصة بعنوان / لن أفارق أمى / بقلم الشاعر القدير / إبراهيم عبدالله حسين



لن أفارق أمى


أيُّ حبٍّ تكنُّه أمل فى صدرها لأمها؟ إنها الأم ، بسمة الروح ، غذاء الجسم ، إنها الحياة بكاملها ، فلولاها بعد الله ما كانت أمل ولا وجدت على تلك الطبيعة ، إنها الهواء الذى لا تعيش بدونه ، إنها الغذاء الذى تتقوَّى به على آلام الحياة الصعبة ، إنها ظلُّها الذى تستظل به إذا قويت حرارة شمس الصيف الحار ، هى الأُنس عند الوحشة ، هى الحنان عند الغضب ، هى الأمان عند الخوف ؛ إنها الأم
أمل تحبُّ أمَّها حبًّا جمًّا ، فلا تعيش بدونها ، هكذا طبيعتها ، ما أن تَستيقِظ فى الصباح الباكر حتَّى تنطلق إلى حضن أمها مُقبِّلة يُمناها ، تقدم لها كوبًا من الحليب ، فتُمسكه أمُّها فتَشرب نصف الكوب ، وتَسقى أمل النِّصف الآخر ، كانت الأم تحكى لها حكايةً عند النوم ، فما أن تنام حتى تأخذها إلى غرفتها ، فما أن تَستيقظ ليلًا حتى تَنطلِق إلى غرفة أمِّها لتنام في حضنها قائلةً لها : إنى لم أستطِع أن أعيش بدونك ، أنت حياتى يا أمى
حدث يومًا من الأيام خلاف بينى وبين والدتها نتج عنه أن تركت والدتها البيت فى الصباح الباكر ولم تعلم أمل بالأمر ، أستيقظت كعادتها مُنطلقة نحو المطبخ لترى والدتها إلا أنها لم تجدْها ، سألتنى عن أمِّها فقلت لها : لقد ذهبت إلى بيت والدها ، توسَّلت أن ألحقها بأمها ، لكنى رفضت ، حاولت مرارًا وتكرارًا فلم أسمع لقولها ، فعز عليها ذلك ، فأمتنعت عن الأكل ، سقمت ، نحَلَ جسمُها ، أصفرَّ وجهُها ، وتقرَّحت مقلتاها من كثرة البكاء
نعم ، إنها والدتها ، لم تنم بعْدُ ، إنها تعانى فراق الأم ، رقَّ قلبى لحالها ، فذهب إلى أمِّها وطيَّبت خاطرها وأعدتها إلى البيت ، فما أن رأت أمَّها حتى طارت إليها وكأنها فقدتها منذ سنين !!!
وفى يوم من الأيام دخلت أمل على والدتها تُخبرها .. والدتى ، ألم تعلمى ماذا سيكون غدًا ؟ قالت الأم : لا ، فقالت لها أمل : إنه عيد ميلادى يا أمى ، فماذا ستُجهِّزين لى؟ قالت الأم : كل ما تحبين
وفى اليوم الثانى ذهبت الأم إلى السوق وأشترت كل ما يُسعد أمل ، وأجتمعت الأسرة فى المنزل ، فرح الجميع ، فما أن تمَّ النهار وقَرُب الليل حتى دنا ملَك الموت من أمها وصعدت روحها الطاهرة إلى خالقها
جاءت أمل ، فتحت الباب ، وجدت أمَّها على الفراش ، ظنَّت أنها مُتعَبة مما صنعت طول نهارها ، جاء العشاء ، دخلت أمل إلى المطبخ ، أعدَّت كوبًا من الحليب ، طرقت الباب علَّى أمها أن تستيقظ ، ولكن لم تُجبْ ، فتحت الباب ونادت : أمى .. أمى .. لقد أعددتُ لك كوبًا من الحليب ، أستيقظى يا أمى !!!
تقدَّمت إليها ، حركت أناملها ، فلم ترَ منها حركة !!! دخلت غرفة مكتبى وهى تقول : بابا.. بابا .. أمى لم تستيقظ !!! إنها نائمة ، أرجوك أيقظها !!! فقلت لها أنا مشغول ، ليس الآن وقت المزاح ، عندى عمل ، أيقظيها أنتِ ،.ظننت أنَّ والدتها تمزَح ، ومع إصرار أمل تقدَّمت نحوها ، وناديت عليها ، رفعت يدها ، عرفت أنْ لا حركة فيها ، مسكت دموعى وتظاهَرَ لأمل أن والدتها متعبة ، أخذت أمل إلى غرفتها لتنام ، ثم عدت إلى غرفة أمها وقد أنفجرت الدموع من عينى ، وبكيت بكاء الثَّكلى ، حتى سمع الجيران بكائى ، تجمَّعوا جميعًا ، بكى الجميع ، كل هذا وأمل لم تعلم شيئًا
وفى الصباح سارعت أمل كالعادة تقدِّم لأمها كوب اللبن ، رأت الجيران حول أمها يبكون ، تقدمت إلى أمها لترى ما بها ، ماذا حصل؟ أمسكت بيدِها ، حرَّكت رأسها ، توجهت نحوي وهى تبكي بكاءً حارًّا، بابا .. بابا .. أمى .. أمى ، إنها لم تستيقظ بعْدُ ، أبى ، أرجوك أيقظ أمى ، أبى ، إنى لا أحتمل أن أعيش بدونها ، أبى ، أرجوك أيقظها !!!
حاولت أخفاء وجهى عن أبنتى حتى لا ترى دموعى ، ولكنها رفعت رأسى لأعلى ، وجدتِ الدَّمعة تفيض من عيني ، عرفت أن أمها فارقت الحياة ، أمسكت يدي قائلةً : أرجوك يا أبى لا تقل : إنها ماتت ، لا تقل إنها ماتت يا أبى ، وأنفجرت بالبكاء !!!
جهز الناس أمها وحمَلوها على أعناقهم صوب المقبرة ، سارت أمل وراء الجنازة باكيةً حزينةً ، فما أن أكمل الناس حفر القبر ووضعوا والدتها فيه ، وقد أستعد الجميع للعودة إلى منازلهم وعيونهم تفيض من الدمع ، لكن أمل ، لم تَقمْ من على قبر أمها ، حاولت أن أداعبها قائلًا : أنا والدك حبيبك يا أمل ، حاول الجميع أن يطيبوا بخاطرها ويمسحوا دموع عينيها ، الكل يريد عودتها إلى المنزل ، لكنها أصرَّت على البقاء
توجهت إلى سيارتى لأحضر لها زجاجة مياة حتى تهدأ ، فما إن ذهبت للسيارة إلا وسمعت صراخ وبكاء الأهل والجيران ، عدت مسرعا فرأيت أمل ملقاةً على قبر والدتها ، تقدمت إليها ، رفَعَت يدَها ، حرَّكتها ، وأنا غير مصدق ماحدث ، لكنى وجدتها قد لحقت بأمها !!!
أنفجر الجميع فى بكاء شديد ، وعدنا بها إلى البيت لتجهيزها وباتت ليلتها فى حضن أمها فى القبر ، ودعوت ربى إن يلحقنى بهم فى جنات النعيم





جميع حقوق النشر و الطبع محفوظة لدى أرشيف مجلة تراتيل سماوية الواقعية !!


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق