الخميس، 15 أغسطس 2019

عنوان القصيدة / أنابيش الجزء السابع وعشرون / بقلم الشاعر / رؤوف بن سالمة

أنابيش
الجزء 27

مرّت السّنوات سريعة ..وكان النّجاح في الباكالوريا  حليف عمّار وسارة بتميّز  ..ونما حبّهما مع كلّ ذلك الزّمن الذي مرّ ونضج كثيرا ..وقد باركت أمّ سارة هذه العلاقة من بعيد وبحرص شديد وعناية فائقة ..وكان على عمار وسارة بحكم التميّز أن يختارا  الدّراسة  بكليّة الطبّ  بفرنسا ، خصوصا وأنّ شركة فسفاط قفصة ، كانت تتكفّل بالمصاريف  لأبناء عملتها من المتميّزين ،استطاع السّيد توفيق والد سارة أن يساعد عمار ويشرف على تقديم ملفّيْ سارة وعمار  للقسم الإجتماعي بإدارة الشركة  ، وحظي الملفّان بالموافقة ..
...كان نجاح عمار هو الأول على مستوى الحيّ ، لذلك لم يكن حدثا عاديا ..وكان عمار وسارة يسيران من تكريم إلى آخر..فقد كرّما  بالعديد من الجوائز انطلاقا من الحيّ إلى الشّعبة الدّستورية إلى النقابات الأساسية المحلية  وحتّى البلدية ودار الثقافة ودون أن ننسى إدارة معهد «الحسين بوزيان بقفصة»ثمّ الولاية..
كانت سنة صعبة بكلّ المقاييس ، فهو لا يزال يذكر أحداث جانفي لتلك السّنة ،وهو يتحدّث إلى السيّد توفيق  وبعض أصدقائه وفي حضور سارة التي عاشت معه تلك الأحداث وكذلك  أمّها  ، حيث ذكر عمار ..« كان الطقس يومها باردا ، وأسرّ اليّ أحد أصدقائي ما يدور في كواليس الإتحاد العام التونسي للشغل حيث كان والده نقابيا متمرّسا ومن القيادات المرموقة ، أنّ هناك في الأفق نذر انعقاد هيئة إدارية ، وقد تتخذ هذه الأخيرة قرار الإضراب العام بالبلاد ، وفعلا انعقدت الهيئة الإدارية واتخذت قرار الإضراب العام ، وأنّ يوم الخميس في السّادس والعشرين من شهر جانفي /يناير  سيكون يوم اضراب عام بكلّ البلاد ..ولمّا علمت السّلطة بذلك ،وعوض أن تدعو للتهدأة ومعالجة الأمور بحكمة ، إرتأت التصعيد ، فعمدت إلى تغييرات على مستوى وزارة الدّاخلية ،  واعتبر ذلك بمثابة  إرادة المواجهة ، وزاد فاحتقان الوضع الداخليّ كثيرا..».
أردف عمار قائلا « قبل ذلك بيوم خرجنا من المعهد في مسيرة تنديدا بممارسات النظام  وصلفه،   وقد  كان قبالة معهدنا  «مركزا للإيواء والتوجيه » به أكثر من عشرين سجينا كانوا ممّن تمّ الإمساك بهم وهم يحاولون  قطع الحدود خلسة إلى ليبيا بحثا عن عمل ، فطلبت من صديقي صبيحتها أن نوجّه هؤلاء الغاضبين من الحكومة نحو لفكّ أسر هؤلاء المساجين،  وأن نكسر الباب الخشبيّ الخارجي ، ونطلب من أعوان الحراسة فتح أبواب الزنزانات الداخلية ، وفعلا تمّ التحشيد سريعا لهؤلاء التلاميذ الغاضبين من الحكومة وسياساتها التصعيدية تجاه الاتحاد العام التونسي للشغل،   وكنّا نسمع عمّا كان   يقع في الجهات  من سقوط ضحايا وضرب وتنكيل في صفوف الطلبة والتلاميذ ..
وبسرعة خاطفة مرّ هذا السّيل الجارف من التلاميذ ليكسر الباب الخارجيّ «لمركز الإيواء والتوجيه» وإطلاق جميع مساجينه في لمح البصر ..وقد آثر بعضهم  الهروب حافيِ القديمين ، وهم لايصدّقون أنهّم أصبحوا أحرارا».
      كان والد سارة وأصدقاءه يستمعون إلى هذه التفاصيل وينظرون إلى عمار في دهشة ..فقد أبان عن وعي وحسّ نقابي وسياسيّ كبيرين ..
حاولت سارة أن تثنيه على أن يكمل بقيّة الحديث ، ولكنّه فهم الإشارة وأضاف ..« بعد ذلك كنّا أخذنا طريقنا نحو محطّة الحافلات لمغادرة« قفصة» باتجاه «المتلوي» وكنت وصديقي المذكور ، وإحدى التلميذات ممن يدرسن معنا في نفس المعهد، نجدّ السّير حتى لا تفوتنا الحافلة، وإذا بنا نصطدم بقوّات التّدخل العام على كامل عرض الشّارع وهي تتقدّم ، ثمّ لتنهال على كلّ مارّ بالضرب ..طلب منّي صديقي مواصلة السّير ،قائلا:« فنحن لم نفعل ما يستوجب ضربنا» ..ضحكت منه مجيبا:« ..وهؤلاء الذين يُضرَبون أمامك هل رأوهم يكسرون باب «مركز الإيواء والتوجيه» ؟»..
ضرب صديقي جبهته بكفّ يده ، ويبدو أنّه نسي ما كان فعل منذ أقلّ من ساعة ..وبينما كنّا نتحاور وإذا بعبوة الغاز تسقط بالقرب منّا ، كانت تلك بداية معرفتنا بقنابل الغاز المسيل للدموع ..ولا تسل عن حالنا بعدها »..وقهقه عمار بعدها وقد أسند ظهره للكنبة كأنه يريد أن يستريح من وعثاء السّفر..
يتبع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق