الخميس، 22 أغسطس 2019

عنوان القصيدة / أنابيش الجزء الثاني والتلاتون / بقلم الشاعر/ رؤوف بن سالمة

أنابيش
الجزء 32

...ما إن وقف عمار وسارة بجانب الحقائب التي أنزلاها من القطار ، والتفتا في مواجهة بعضهما ، حتّى سمعت سارة صوت خالها«مارك» الذي كان يسارع الخطو  ، مشيرا لها أنّه جاء لإعتراضها وعمار ..تقدّم مارك الذي كان فارع الطول ووجهه مشرب بحمرة وعيناه زرقاوان ، ليضمّ سارة بحرارة قائلا..:« وأخيرا! أنت هنا بيننا..مرحبا بك.» وسرّت هي بكلمات خالها وقد انفرجت أسارير وجهها لرؤيته فهو من ريح وروح أمّها وبه يستأنس الفؤاد في حالك أيّام غربتها..
بينما كان عمار ينظر إليهما ، وينتظر كلمات الترحاب..وإذا بسارة تقدّمه لخالها  ..فرحّب به بحفاوة بالغة ، وكذلك ردّ عمار بكلمات الشكر والإمتنان على كرم الإستقبال ..تقاسم عمار ومارك حمل الحقائب إلى السيارة التي كانت في مآرب كبير أمام المحطّة..ثمّ صعدت  سارة وخالها في مقدمة السيّارة ، بينما ركب عمار في المقعد الخلفي..ومضت السيّارة تقطع طرق المدينة وتعرجاتها ..ثمّ لتسير الآن وسط بناءات  فخمة متباعدة تفصل بينها حدائق كأنها جنان، لتقف السيارة أمام باب حديدي ذي أشكال هندسية  مزخرفة ، يسارع مارك بعد نزوله من السيارة ليشرعه ويعود لقيادة السيارة ويسير بها حوالي مائة متر ويتوقف أمام مدارج تفضي إلى باب كبير..نزل الجميع من السيارة وأنزل عمار ومارك الحقائب، وصعدا بها المدارج.. ووقفوا  ينتظرون فتح الباب بعد أن دقّ مارك الجرس..
في الصالون جلس الجميع بعد تبادل كلمات الترحاب والسؤال عن أحوال الأهل بالمتلوي..وطابت جلستهم فتمّ إحضار قهوة المساء .. وتذكرت سارة أمها وكيف كانتا ترتشفان القهوة في حديقة منزلها بالمتلوي ..ولكنّها هذه المرّة لم تنازعها تلك المشاعر الفياضة والحنين المتوهّج ، لعلمها أنّها بين جدّيها وخالها،  فهم بعض من أمّها ..ومرّ الوقت سريعا ، فتنادوا للعشاء ، في قاعة بدت تفتح على المطبخ والصالون .. بها نوافذ مشرعة وتغطّي جزءا منها ستائر غاية في الروعة.. كان العشاء عبارة سلطة روسية وشرائح من لحم البقر وقطعا من
الأجبان محليّة الصنع ومرقا من الفاصولياء ..كان الجميع يأكل طعامه بتؤدة ويجذب أطراف الحديث من حين لآخر في مواضيع شتّى ، حتّى أنّ العشاء دام أكثر من ساعتين من الزمن..لم يألف عمار ذلك ، ولكنّه ساير تلك الأجواء وذلك لفطنته وتجربته عندما استدعي في بيت سارة بالمتلوي ، كانت الجدّة ترمق عمارا عن جنب، وأبدت إعجابها كيف يمتلك هذا النصيب من التحضر والرقيّ  أو« البروتوكول» ، وعلم عمار أنّ هذه المنطقة يسكنها أثرياء فرنسيين بالنظر لما شاهده من بناءات غاية في الروعة والجمال وكذلك طريقة العيش وحالة الترف الظاهرة ، كما أنها حوت أحد القصور الفخمة ، التي بنيت في عهد فرانسوا الأوّل  ملك فرنسا وكان هذا القصر يعتبر  أفضل مكان إقامة لديه حيث يطل على غابة( فونتانبلو) وظلّ هذا القصر مسكونا  إلى زمن نابليون الثالث حيث تم تجديده وترميمه أكثر مرّة ، وقد كانت سارة وعدت عمار بزيارة هذا المعلم التاريخيّ الشامخ والضارب في القدم. وانتهى العشاء ، وانتقل الجميع للسّهر وسط الحديقة ..وقد أعدّ (مارك) جوّا احتفاليا بمناسبة قدوم ابنة أخته ..طاولة بها بعض البوظة ومرطبات وعصائر ..وموسيقى هادئة تنساب وأضواء تنير المكان ورائحة الورد تعبق ..وما إن جاء منتصف الليل حتى أصاب الجميع الأعياء والفتور فخلدوا للنوم على وثير الفرش ، وقد أصابتهم قشعريرة البرد عناء البحث عن الدفء رغم أنّ عمار وسارة كانا يجاملان حتى حان وقت النوم، فتنفّسا الصعداء..
يتبع...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق