أنابيش
الجزء 34/الجزء القبل الأخير
نهض عمار من فراشه متثاقلا على غير عادته ، وظلّ الإحساس بانقباض نفسه حبيسا بداخله ..ولا يعرف له سرّا ليفكّ رموزه . فاغتسل ولبس ونظر في ساعته ..«إنّها السّادسة وخمسة عشر دقيقة..» وضع عمار قلما جافا في جيبه وحمل محفظة على كتفه الأيسر حوت كراسا وبعض أوراقه الخاصّة ، ووضع مفتاح بيته في جيبه وخرج ليقصد المصعد الكهربائي لينزل أسفل عِمَارةَ المبيت الجامعيّ ..ومنه إلى مقهى توسّطت الشّارع بين محلّ سكناه والجامعة ، جلس عمار في ركن داخل المقهى حيث واجهة بلوريّة تطلّ على الشّارع ، واذا بالنّادل يقف قبالته ..طلب عمار منه أن يحضر له قهوة وكأس عصير عنب وقطعة من المرطّبات ..لم يتخلّف النادل طويلا ، فقد استأنس لرؤيته منذ مدّة ، وأصبح يعرفه ..حتى أنّه يسمّيه (طبيب المستقبل) ..
ظلّ عمار في داخل المقهى يحتسي قهوته ويتطلّع عبر الواجهة البلوريّة في المارّة ..كان الطقس في الخارج باردا ينذر بنزول الأمطار ..فالسّماء ملبّدة بالسّحب الدّكناء ، وكانت أوراق الأشجار المتساقطة تتلاعب بها نسمات الخريف ..كان عمّار شاخصا واجما أمام ما يراه ، فقد اصطبغت نفسيتّه بهذه القتامة التي زحفت على كليّته ، لتحيل ما بقي من صفاء ذهنه إلى مسحة من الحزن ،كما اكتسحت هذه السّحب سماء باريس وينعكس هذا اللّون الرّمادي على أجوائها ، وليزيد في ضجر قلب عمار ..
كان عمار يمسك بفنجان القهوة بيمينه واضعا يده اليسرى على خدّه وقد اسندها إلى الطاولة ، وينظر عبر الواجهة البلوريّة إلى الخارج ..ولكنّه كان شارد الذهن ،حين وقفت سارة التي كانت ترتدي معطفا بلاستيكيا إتقاء حبّات المطر المتساقطة ، والتي لم ينتبه عمار لنزولها ولا الوقوف سارة قبالته في الخارج، إلاّ مع إشارتها له واقترابها من بلور الواجهة ..وانفجرت أساريره وهو يراها ، فوضع قطعا من النقود على الطاولة ، وغادر دون يحيّ النادل ..بادر سارة بتحيّة الصباح وردت عليه وسارا معا إلى أن دخلا الحرم الجامعيّ .. كان صرحا مهيبا، فقطعا ممرا طويلا ليجدا نفسيهما أمام باب ثلثاه من البلور، فولجاه ليجدا نفسيهما وسط ساحة بدأت تمتلئ بالطلبة في مجموعات مختلطة..نظر عمار يمنة ويسرة وقد أمسكت به سارة لتجره ناحية شجرة صفصاف ليقفا تحتها ، واذا بمضخّم الصوت ينادي أن على الطلبة الجدد تبيّن أقسامهم والمجموعات المنتمين إليها ومن ثمّة التوجه للإدارة لأخذ جدول الأوقات ..
قصد عمار وسارة الممرّ الذي دخلا منه للسّاحة وظلّ كل . منهما يبحث عن اسمه ..ونادت سارة عمار بعد أن تفطّنت لإسميهما بنفس الفصل ومن حينه توجّها نحو الإدارة ليتسلّما جدول أوقات الدّروس ، وليعلما أن الدّروس بالنسبة إليهما لن تبدأ في يومهما هذا وإنّما في الغد .. فاقترحت سارة على عمّار أن يقصدا «سان ميشال St Michel» ويجلسا على ضفاف نهر السّان« بمقهى الإنطلاقة Café de Départ » لم يعقّب عمار على كلمات سارة وسارا لحينه لأخذ مترو الأنفاق وينزلا قبالة المقهى المذكور وفضلت سارة الجلوس في الخارج تحت مظّلة لتنظر عبر ضفاف «نهر السّان »وقد كست جنباته أشجار خضراء زادته روعة ..
ظلّ عمار ساكتا لا يتكلّم ، حتّى إذا حضر النادل طلبت سارة عصيرا من الفواكه الطازجة بينما ظلّ عمار واجما حتى حركت سارة يده كأنّها تريد أن تخرجه من عتمة حيث النور،
وسألته مكان النادل :"ماذا تريد أن تشرب؟"
فردّ دون إبطاء :"قهوة"
فقالت سارة :"يكفيك من القهوة ..خذ عصير فواكه طازجة"
لم يمانع عمار في ذلك وظلّ واجما ، وتنبهت سارة لحالته وهي تحدّث النادل وعيناها لم تغادر سحنته ..ولاحظت وضعيّة يديه وهي منسدلة إلى أسفل فخضيه وقد تشابكتا وأنّه يجلس وأعلا جسده متهالك إلى الأمام ملامسا بمنتصف صدره حاشية الطاولة ، وما إن غادر النادل حتى سألته لما هو هكذا؟ فلم يجد تفسيرا لحالته سوى سرد ما هو هو عليه حاله منذ البارحة من انقباض وشرود وبعض الحزن الذي لا يجد له تفسيرا ، حتى أنّه الآن أصبح يفكّر بالرجوع إلى المبيت وأن يبقى بالبيت لعلّه يحظى ببعض ساعات النوم ، لعلّ بعد ذلك يتعدّل مزاجه ويذهب حزنه ..
صمتت سارة لما سمعته منه ..وأسرّت في نفسها «ربي يقدّر الخير..» وظلّت تحملق في وجه عمار ..كمن يحاول فكّ رموز أسباب حزنه ..ولكنّها لم تفلح ..ولكنّها إستشعرت في نظرة عينيه حزنا عميقا ..حاولت أن تطرد الأفكار السّوداء التي بدت تحوم حول رأسها ولكنّها لم تفلح ..يبدو أنّ استشعارها ما عليه عمار من حال قد يصيبها ..
قطع النادل بحضوره هذا الحبل من الخواطر بذهن سارة ، بينما مدّ عمار يده مباشرة لكأس العصير ليمسكه بكلتا يديه ، بينما غادر النادل الطاولة ، وإذا بسارة التي تحاول أن تخفّف عن عمار وتطرد تلك الحالة التي انتابتها فجأة لتقترح عليه أن يقوما بجولة في سفينة تجوب نهر السان وأن ينعما بشيء من الهدوء وراحة البال وهما يشاهدان بعض معالم باريس من خلال النهر..أو أن يسيرا والنهر حتى أمام جامعة «السوربون» وقد يتناولان هناك وجبة الغداء بمطعم يديره تونسيّ ، وقد زارت سارة المطعم من قبل وأعجبتها طريقته في إعداد وجبة «الكسكسي»خصوصا أنّهما لم يأكلانه منذ حلاّ بباريس لما يناهز الشهر الآن.
وافق عمار على مقترحها الثاني ..وتناولا العصير الطازج ..ثمّ غادر بعد أن دفع عمار ما عليهما للنادل وظلاّ يمشيان وضفة نهر السّان جنبا إلى جنب ويدا أسفل يد ، وعيناهما مشرعتان
ترصدان جمال المدينة وتخزنان لحظات الحياة بكلّ تجلياتها ، في حين كان بعض القطر ينزل من السّماء ، ورغم ذلك ظلاّ يسيران دون توقف وأغلب ردهات الزمن في صمت ..
إلى أن انعطفت سارة يسارا ليسيرا داخل نهج أفضى بهما إلى جامعة" السوربون" ..وقف عمار يتأمّل هذه البناية الأثرية
الضخمة والفخمة ..ويطالع النقوش على جدرانها ..ممّا جعلها صرحا مهيبا ..كان الوقت كان شارف على منتصف النهار ، فجذبته سارة للوراء يلتفت إليها ويستديران مشيا نحو المطعم ليتناولا وجبة "الكسكسيّ" ...
يتبع...
الجزء 34/الجزء القبل الأخير
نهض عمار من فراشه متثاقلا على غير عادته ، وظلّ الإحساس بانقباض نفسه حبيسا بداخله ..ولا يعرف له سرّا ليفكّ رموزه . فاغتسل ولبس ونظر في ساعته ..«إنّها السّادسة وخمسة عشر دقيقة..» وضع عمار قلما جافا في جيبه وحمل محفظة على كتفه الأيسر حوت كراسا وبعض أوراقه الخاصّة ، ووضع مفتاح بيته في جيبه وخرج ليقصد المصعد الكهربائي لينزل أسفل عِمَارةَ المبيت الجامعيّ ..ومنه إلى مقهى توسّطت الشّارع بين محلّ سكناه والجامعة ، جلس عمار في ركن داخل المقهى حيث واجهة بلوريّة تطلّ على الشّارع ، واذا بالنّادل يقف قبالته ..طلب عمار منه أن يحضر له قهوة وكأس عصير عنب وقطعة من المرطّبات ..لم يتخلّف النادل طويلا ، فقد استأنس لرؤيته منذ مدّة ، وأصبح يعرفه ..حتى أنّه يسمّيه (طبيب المستقبل) ..
ظلّ عمار في داخل المقهى يحتسي قهوته ويتطلّع عبر الواجهة البلوريّة في المارّة ..كان الطقس في الخارج باردا ينذر بنزول الأمطار ..فالسّماء ملبّدة بالسّحب الدّكناء ، وكانت أوراق الأشجار المتساقطة تتلاعب بها نسمات الخريف ..كان عمّار شاخصا واجما أمام ما يراه ، فقد اصطبغت نفسيتّه بهذه القتامة التي زحفت على كليّته ، لتحيل ما بقي من صفاء ذهنه إلى مسحة من الحزن ،كما اكتسحت هذه السّحب سماء باريس وينعكس هذا اللّون الرّمادي على أجوائها ، وليزيد في ضجر قلب عمار ..
كان عمار يمسك بفنجان القهوة بيمينه واضعا يده اليسرى على خدّه وقد اسندها إلى الطاولة ، وينظر عبر الواجهة البلوريّة إلى الخارج ..ولكنّه كان شارد الذهن ،حين وقفت سارة التي كانت ترتدي معطفا بلاستيكيا إتقاء حبّات المطر المتساقطة ، والتي لم ينتبه عمار لنزولها ولا الوقوف سارة قبالته في الخارج، إلاّ مع إشارتها له واقترابها من بلور الواجهة ..وانفجرت أساريره وهو يراها ، فوضع قطعا من النقود على الطاولة ، وغادر دون يحيّ النادل ..بادر سارة بتحيّة الصباح وردت عليه وسارا معا إلى أن دخلا الحرم الجامعيّ .. كان صرحا مهيبا، فقطعا ممرا طويلا ليجدا نفسيهما أمام باب ثلثاه من البلور، فولجاه ليجدا نفسيهما وسط ساحة بدأت تمتلئ بالطلبة في مجموعات مختلطة..نظر عمار يمنة ويسرة وقد أمسكت به سارة لتجره ناحية شجرة صفصاف ليقفا تحتها ، واذا بمضخّم الصوت ينادي أن على الطلبة الجدد تبيّن أقسامهم والمجموعات المنتمين إليها ومن ثمّة التوجه للإدارة لأخذ جدول الأوقات ..
قصد عمار وسارة الممرّ الذي دخلا منه للسّاحة وظلّ كل . منهما يبحث عن اسمه ..ونادت سارة عمار بعد أن تفطّنت لإسميهما بنفس الفصل ومن حينه توجّها نحو الإدارة ليتسلّما جدول أوقات الدّروس ، وليعلما أن الدّروس بالنسبة إليهما لن تبدأ في يومهما هذا وإنّما في الغد .. فاقترحت سارة على عمّار أن يقصدا «سان ميشال St Michel» ويجلسا على ضفاف نهر السّان« بمقهى الإنطلاقة Café de Départ » لم يعقّب عمار على كلمات سارة وسارا لحينه لأخذ مترو الأنفاق وينزلا قبالة المقهى المذكور وفضلت سارة الجلوس في الخارج تحت مظّلة لتنظر عبر ضفاف «نهر السّان »وقد كست جنباته أشجار خضراء زادته روعة ..
ظلّ عمار ساكتا لا يتكلّم ، حتّى إذا حضر النادل طلبت سارة عصيرا من الفواكه الطازجة بينما ظلّ عمار واجما حتى حركت سارة يده كأنّها تريد أن تخرجه من عتمة حيث النور،
وسألته مكان النادل :"ماذا تريد أن تشرب؟"
فردّ دون إبطاء :"قهوة"
فقالت سارة :"يكفيك من القهوة ..خذ عصير فواكه طازجة"
لم يمانع عمار في ذلك وظلّ واجما ، وتنبهت سارة لحالته وهي تحدّث النادل وعيناها لم تغادر سحنته ..ولاحظت وضعيّة يديه وهي منسدلة إلى أسفل فخضيه وقد تشابكتا وأنّه يجلس وأعلا جسده متهالك إلى الأمام ملامسا بمنتصف صدره حاشية الطاولة ، وما إن غادر النادل حتى سألته لما هو هكذا؟ فلم يجد تفسيرا لحالته سوى سرد ما هو هو عليه حاله منذ البارحة من انقباض وشرود وبعض الحزن الذي لا يجد له تفسيرا ، حتى أنّه الآن أصبح يفكّر بالرجوع إلى المبيت وأن يبقى بالبيت لعلّه يحظى ببعض ساعات النوم ، لعلّ بعد ذلك يتعدّل مزاجه ويذهب حزنه ..
صمتت سارة لما سمعته منه ..وأسرّت في نفسها «ربي يقدّر الخير..» وظلّت تحملق في وجه عمار ..كمن يحاول فكّ رموز أسباب حزنه ..ولكنّها لم تفلح ..ولكنّها إستشعرت في نظرة عينيه حزنا عميقا ..حاولت أن تطرد الأفكار السّوداء التي بدت تحوم حول رأسها ولكنّها لم تفلح ..يبدو أنّ استشعارها ما عليه عمار من حال قد يصيبها ..
قطع النادل بحضوره هذا الحبل من الخواطر بذهن سارة ، بينما مدّ عمار يده مباشرة لكأس العصير ليمسكه بكلتا يديه ، بينما غادر النادل الطاولة ، وإذا بسارة التي تحاول أن تخفّف عن عمار وتطرد تلك الحالة التي انتابتها فجأة لتقترح عليه أن يقوما بجولة في سفينة تجوب نهر السان وأن ينعما بشيء من الهدوء وراحة البال وهما يشاهدان بعض معالم باريس من خلال النهر..أو أن يسيرا والنهر حتى أمام جامعة «السوربون» وقد يتناولان هناك وجبة الغداء بمطعم يديره تونسيّ ، وقد زارت سارة المطعم من قبل وأعجبتها طريقته في إعداد وجبة «الكسكسي»خصوصا أنّهما لم يأكلانه منذ حلاّ بباريس لما يناهز الشهر الآن.
وافق عمار على مقترحها الثاني ..وتناولا العصير الطازج ..ثمّ غادر بعد أن دفع عمار ما عليهما للنادل وظلاّ يمشيان وضفة نهر السّان جنبا إلى جنب ويدا أسفل يد ، وعيناهما مشرعتان
ترصدان جمال المدينة وتخزنان لحظات الحياة بكلّ تجلياتها ، في حين كان بعض القطر ينزل من السّماء ، ورغم ذلك ظلاّ يسيران دون توقف وأغلب ردهات الزمن في صمت ..
إلى أن انعطفت سارة يسارا ليسيرا داخل نهج أفضى بهما إلى جامعة" السوربون" ..وقف عمار يتأمّل هذه البناية الأثرية
الضخمة والفخمة ..ويطالع النقوش على جدرانها ..ممّا جعلها صرحا مهيبا ..كان الوقت كان شارف على منتصف النهار ، فجذبته سارة للوراء يلتفت إليها ويستديران مشيا نحو المطعم ليتناولا وجبة "الكسكسيّ" ...
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق