الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

عنوان القصيدة / إنابيش الجزء الواحد وثلاثون / بقلم الشاعر / رؤوف بن سالمة

أنابيش
الجزء31
حطّت الطائرة بمطار «شارل دي قول»، وما هي إلاّ دقائق معدودة حتى كان عمار وسارة قد خرجا من الطائرة وسارا في ممرّ  فوجدا نفسيهما في صفّ ممن كان معهما من الرّكاب أمام شبّاك عون الجمارك ، حيث طبع لهما على جوازيهما تاريخ الدخول للتّراب الفرنسي..وسارت بعد ذلك نحو صالة فسيحة لأخذ حقائبهما ..وقف كلاهما ليرتّبا معا تدابير الخروج من المطار باتجاه الضاحية  الجنوبية حيث مدينة «فونتان بلو Fontainbleau»بمقاطعة «السان أي مارن Seine et Marne» أين يسكن جدّيْ سارة لأمّها ، وطّدا العزم على حمل حقائبهما على مجرورة يدفعها عمار والنزول بالمدرج الكهربائيّ لأسفل المطار لأخذ قطار يتّجه  جنوبا مدينة «ليونLyon »، قطعت سارة تذاكر السّفر ، بينما ظلّ عمار واقفا على الحقائب يتفرّس في وجوه المارّة على الرّصيف ..أخذته أفكاره بعيدا ..«هؤلاء تحت الأرض لا عدّ لهم ولا حصر ..الكلّ يسرع في خطاه ، وصوت مكبّر الصوت لا يتوقف ..وكلّ هذه السكك الحديدية ..وبعض المحلاّت التجارية ..والأضواء ..وأثار دهشة  المسكين كلّ ما رأى ..وعيناه تطاردان المارّة ..شبابا وكهولا..نساء ورجالا ..مثنى وثلاث ورباع..امّهات وأطفالهن شيوخ  وعجائز ..الكلّ يسرع ..الكلّ يعرف وجهته ..مع أنّ هذا تحت الأرض ..يا اللّه ..كيف الحال فوق الأرض؟»
ظل المسكين واقفا في حيرة ..وإذا بسارة تأتي مسرعة وتحمل تذكرتي السّفر ، وتطلب من عمار السّرعة للإلتحاق بالرّصيف الثالث حيث يرسو قطار الضاحية الجنوبية والذي سيغادر بعد ربع ساعة..سارت سارة تتقدّم عمار وهو يدفع المجرورة أمامه ، ومحاولا أن يجد طريقه بين القادمين فاتجاهه والسائرين إلى جانبه ..وإذا بسارة تنعطف ثمّ تلتفت إليه موعزة إليه أن يتبعها ، وإذا به يسير بمحاذاة عربات قطار ، لينظر عبر نوافذه  من الخارج إلى وجوه ركّابه..كان المسكين يسير على الرصيف حتى أوقفته سارة ..سنصعد القطار ، أنزل عمار الحقائب وطفق يمدّها لسارة التي وقفت بداخل باب القطار ، وما إن أتمّ عمار رفع الحقائب حتى صعد القطار  ثمّ حملها زوجين إثنين  على مرّتين وتبع سارة ليرفعها حيث وجب أن تكون أعلا رأسيهما ..ثمّ جلس بمحاذاة سارة ..ينظر عبر النافذة للركاب المسرعين لأخذ مقاعدهم داخل القطار ...
     لم يتفطن عمار إلى بداية تحرك القطار ، حتّى رأى عبر النافذة أنّ المشاهد تتغيّر في الخارج ، إلتفت عمار ناحية سارة وقد علت محياها ابتسامة خفيفة ..فقال عمار«دنيا أخرى» فردّت سارة«إنّه العالم الصناعي المتحضّر» وأردف عمّار «نحن فعلا عالم ثالث...علينا أن لا ننام مطلقا وأن نظلّ نعمل للحاق بهذه الأمم ..»
خرج قطار الضاحية الجنوبية من أسفل الأرض ليسير فوقها ..وانتبه عمار لسرعته ..فقد كان القطار يسبق السيارات التي كانت على طريق فاتجاه واحد ..واسترعى ذلك انتباهه،وتفطّنت سارة لحيرته ، فرجته أن ينظر للجهة الأخرى من النافذة ليشاهد حركة السيارات في اتجاه معاكس وأنّ هذه تدعى (طريق سيّارة) ..شكر عمار سارة لتوضيحها، ثمّ عاد لتشدّه مشاهد البناء بالقرميد والحدائق الخضراء المترامية والتي لا حدود لها، وظلّت عيني عمار مشرعة تلتهم هذه المناظر الجميلة الخلاّبة ، وفجأة ظهر نهر فصل بين القطار والطريق السيارة ..تبسّمت سارة قائلة لعمار..«هذا نهر السّان ..أتذكر حديثنا ونحن نقرأ إحدى قصائد (قيوم أبولينارGuillaume Appolinaire بديوانه كحول Alcool)؟»
وردّ عمار «أذكر ذلك جيّدا..إذا هذا هو السّان!» وظهرت عليه علامات الإعجاب وهو يراوح بين النظر لسارة والنافذة ..توقف القطار بمدينة «فيل نوف سان جورج » وقرأ عمار اسم المدينة على لوحة سرعان ما طواها القطار..
وتواصل سير القطار مارّا بعديد المحطات إلى أن وصل مركز مقاطعة «مولان Meulun» حيث توقّف  لعشرين دقيقة  ..قالت سارة لعمار لم يبق الاّ القليل لنصل مدينة «فونتان بلو Fontainebleau » ..
سار القطار بعدها لمدة ربع ساعة ..كانت سارة قد تهيّات خلال سير القطار للنزول بمدينة جدّيها، وانتهت رحلة القطار بالنزول منه وقد ظهرت سعادة عمار على وجهه وهزت كلّ كيانه ..وقال في نفسه:« لولا نجاحي الدّراسي لما أمكنني أن أرى هذه البلاد ومدنها وتقدّمها ورقيّها وناسها وأجناسها وبناءاتها وحضارتها العريقة ..الحمد لله الذي نظر اليّ بعين عنايته ، وأنار بصيرتي..»..ّ
يتبع....
بقلمي/رؤوف بن سالمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق