الاثنين، 19 أغسطس 2019

عنوان القصة / أنابيش الجزء الثلاثون / بقلم الشاعر / رؤوف بن سالمة

أنابيش
الجزء 30

...فجأة توقّف أزيز  محرّك السيارة، وطلب حفّة من عمار وسارة النزول لتناول الفطور في  إحدى الإسترحات ، وأبدت سارة عدم رغبتها في الأكل ، لكنّ عمار طلب منها أن تنزل وتكتفي بشرب عصير وماء ، فنزلت وسارت معه جنبا إلى جنب وجلسا إلى طاولة سبقهما إليها حفّة الذي طلب لنفسه من النادل صحنا من الكسكسيّ ، وانتظر النادل عمار وسارة ليسألهما عمّا يرغبا في تناوله، ليطلب عمار سلطة وصحنا من
المقرونة ،واكتفت سارة بقارورة من مشروب الصودا وعلبة ماء ...
قال حفّة:«كلّما سافرت إلى تونس لا أتوقف إلاّ في هذه الإستراحة ، أوّلا لأني أكون قد قطعت ثلثي المسافة بين المتلوي وتونس، وثانيا أنّ الطقس والتضاريس يكونا قد تغيّرت ملامحهما تماما ، وأخيرا فإن هذه الإستراحة هي الأنظف والأرقى ..»..عبّرت سارة عن قناعتها بوجهة نظر حفّة الذي رأته ينظر إلى عمار وهو منغمس في شفط المقرونة بشراهة ، فابتسم حفّة لمنظره ذاك، خصوصا وأنّ دائرة فمه قد غدت حمراء بلون مرق المقرونة ،وهو يعارك بنواجذه عظما من اللّحم، وإذا بسارة تضحك متبسّمة من عمار، ونادته وهي تمده بمنديل من الورق ليمسح دائرة فمه الخارجية..
     انطلقت السيارة من جديد باتجاه العاصمة، بعد أن أفطر حفّة وعمار ، في جوّ من المرح المحتشم ..ولم يكن عمار قادرا على مقاومة النّعاس بعد تلك الأكلة الدّسمة ، فأمره خفة بفتح الكرسيّ للخلف ولينام ماء عيونه..امّا حفّة وسارة فظلاّ يستمعان للإذاعة الوطنية، ها قد أصبحوا الآن بمحاذاة جبل «بوقرنين» لتشقّ السيارة« حمام الأنف»..
كانت سارة تحدث نفسها مستذكرة خوالي الأيام مع أمّها:« كيف كنت أجلس في غرفتي التي رتبتها أمي بعد ذهابي إلى المدرسة ، وكيف كانت  من حين لآخر تفتح باب الغرفة لتسألني هل أريد مشروبا أو ساندوتشا، وكثيرا مانحنت لتقبّلني وتربّت عن كتفي..كبرت يا أمي ، ودعتني ضرورات الحياة ،لأكون قامة لجيل الآخر سيأخذ عني المشعل كما سآخذه عنك يوم زفافي..أفارقك اليوم ..وأفارق بيتي ،وذلك الركن الحميم ،وذلك الفراش الوثير ، وقد تكون هي أطول فترة قضيتها معكما أنت وأبي، وإن رجعت غرفتي في يوم ما  سأكون كضيفة، أيّام قلائل وأترك بيتي.. إنّها نقطة تحوّل مهمّة في حياتي ...»وخنقتها العبرة ، فكفكفت دمعها ، ونظرت ناحية عمار ،فوجدته يغطّ في نومه، فربّتت على كتفه، وقد أفاق وبدأ يفرك عينيه، متسائلا :«أين  نحن الآن؟» فردّت سارة:«على مشارف المطار»..
ولم تمض دقائق حتى رست السيّارة أمام الباب الرئيسي المطار ، فنزل الجميع ، وجلب حفّة مجرورة وضع عليها الحقائب ، ودخل ثلاثتهم من الباب الرئيسي، ومروا إلى المشرب ، ليتزودوا ببعض الماء والعصير والقهوة ، ثمّ اتجهوا جميعا نحو وزن امتعتهم وتأكيد الحجز ..وأتمّوا  كامل إجراءات السّفر ، وظلوا جلوسا في قاعة الإنتظار، حتى سمعوا صوت المنادية تقول:« على السّادة المغادرين نحو باريس رقم الرحلة ...الإلتحاق بالباب رقم...»سار الجميع نحو الباب المذكور ..والتفت عمار وكذلك سارة ، ليودعوا حفة ، فتحمّله عمار بالإحضان وعانقه طويلا ،وصافحته سارة بحرارة، وأثنيا عمّا قام به نحوهما ..ثمّ مضى كلّ باتجاه..
ظلّ حفّة خارج المطار ينتظر أن يرى الطائرة وهي تقلع نحو باريس..وشاهد ذلك بأمّ عينه حتى توارت وراء الغيم .فأدار محرّك السيّارة وقفل راجعا نحو مدينة المتلوي...
يتبع....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق