🌺حلم مفقود🌺
سار وئيد الخطو؛ أعباء حياة بائسة أثقلت كاهله، وأضناه الغدر والخذلان. قصد المقهى الشعبي -وجهته الوحيدة- بعد أن أوصدت الدنيا أبوابها في وجهه. تحسس نقوده المتبقية في جيبه.
قال محدثا نفسه:
قليلة هي لكنها تفي بالغرض: تكفيني لاحتساء قهوتي السوداء المرة، كأيامي القاتمة الكئيبة؛ دلف المقهى فوجدها تعج زبائن، ينشدون ترفيها قميئا، يتلاءم مع ما تحويه جيوبهم شبه الخاوية...
انتبذ مكانا منزويا، عله يكون في مأمن من عيون فضوليين، تخترق وحدته الآسنة؛ جلس متكئا على حائط متداع، تتناثر بثوره هنا وهناك، مستندا عليه بعد أن خذلته الدنيا بأسرها.
ما إن لمحه النادل حتى صاح قائلا:
-قهوة سوداء مرة للأستاذ فؤاد
كان ذلك دأبه من سنة، يجلس في المقهى ساعات طويلة، إلى أن تلفظه خارجها على كره منه، آزفة موعد إغلاقها.
بقي ساهما كعادته يخاطب نفسه:
ما الذي أنتظره من دنيا غادرة، دعتني إليها شبقة، أغواني جمالها الأخاذ،كما تغوي غادة لعوب شابا ساذجا، ثم تنكرت لي ودهستني بلا مبالاة، كما تدوس مومس حريفا، جردته من كل مايملك؛ وتركته قميئا، ذليلا.
كدودة مقززة، أو حشرة حقيرة، ستنتهي حياتك البائسة، لا يكترث لوجودها أو عدمه أحد...
حتى المرأة الوحيدة، التي أحببتها تخلت عنك، نزعتك عن حياتها كنزع حية جلدها، خانتك و طلقتك غيابيا، بعد دخولك السجن...فأصبح سجنك مضاعفا.
دخلت السجن، لا لشيء إلا لأفكار آمنت بها ودافعت عنها، فكلفتك حريتك وعملك وزوجتك...حلمت بمجتمع تسود فيه قيم العدالة و الحرية، والنتيجة: صودرت حريتك وجارت عليك الدنيا..
عرج في تهويماته على ذكريات كثيرة، ظل يمضغها، لم يخرجه منها سوى صخب انتزعه مما كان فيها انتزاعا. و رأى شخصا أنيقا يرتدي ملابس فخمة من أحدث الصيحات، حاثا الخطو يتقدم نحوه، يصحبه رجلان ضخمان، يتبعانه كظله؛ اقترب منه الرجل الأنيق، و سلم عليه قائلا:
-كيف حالك رفيقي؟
مضى وقت طويل، لم يناده أحد بهذا اللقب. بدا له الصوت مألوفا، رفع رأسه ناظرا الى صاحب الصوت متفرسا ملامحه، وسرعان ما تعرف إليه: إنه صديق الشباب، رفيق الكفاح، تعانقا طويلا وسط دهشة حرفاء المقهى واستغرابهم، ثم بادره مستفسرا:
-سمعت أنك هاجرت خلسة، هروبا من مطاردة الأمن لك بسبب المناشير التي كنت توزعها، والأفكار التي تدعو إليها، أجابه بنبرة تطفح سخرية:
كانت فترة طيش، واستهتار، كنت شابا تائها، اي عدالة أنشد لشعوب مسحوقة؟ وأية حرية لناس لا يتلاءم معها سوى الشدة والقوة؟
ثم استرسل قائلاً:
-دعك من هذه الترهات، بحثت عنك خصيصا لتكون مناصرا لي في حزبي الجديد الذي أنشأته بعد عودتي من الغربة، وحدك من أثق به ليكون عونا لي في حملتي الانتخابية خاصة وأنك تعرف أحوال البلاد أكثر مني، قاطعه مستسفسرا:
- وما الاسم الذي أطلقته على حزبك؟
أجابه واثقا:
-حزب "العدالة والحرية". ما رأيك أليس اسما جميلا؟
تركه جالسا وغادر المقهى باكرا على غير عادته دون أن ينبس بكلمة واحدة.
أمام المقهى، سيارة فارهة لصديق الماضي، مناضل الأمس، تحتل مساحة كبيرة من الشارع.
في طريقه الى الغرفة الضيقة التي يعيش فيها، شعر برغبة شديدة في الغثيان...
ولج الغرفة، متأملا الكتب التي غصت بها رفوف مكتبته، محملة أفكارا عن العدالة والحرية والمساواة، قال في نفسه متفائلا:
-سيأتي يوم يتحقق فيه الحلم المنشود، لابد ان يأتي حتى وإن تأخر.
الأستاذة:
حلق الوادي /تونس
22/7/2019
سار وئيد الخطو؛ أعباء حياة بائسة أثقلت كاهله، وأضناه الغدر والخذلان. قصد المقهى الشعبي -وجهته الوحيدة- بعد أن أوصدت الدنيا أبوابها في وجهه. تحسس نقوده المتبقية في جيبه.
قال محدثا نفسه:
قليلة هي لكنها تفي بالغرض: تكفيني لاحتساء قهوتي السوداء المرة، كأيامي القاتمة الكئيبة؛ دلف المقهى فوجدها تعج زبائن، ينشدون ترفيها قميئا، يتلاءم مع ما تحويه جيوبهم شبه الخاوية...
انتبذ مكانا منزويا، عله يكون في مأمن من عيون فضوليين، تخترق وحدته الآسنة؛ جلس متكئا على حائط متداع، تتناثر بثوره هنا وهناك، مستندا عليه بعد أن خذلته الدنيا بأسرها.
ما إن لمحه النادل حتى صاح قائلا:
-قهوة سوداء مرة للأستاذ فؤاد
كان ذلك دأبه من سنة، يجلس في المقهى ساعات طويلة، إلى أن تلفظه خارجها على كره منه، آزفة موعد إغلاقها.
بقي ساهما كعادته يخاطب نفسه:
ما الذي أنتظره من دنيا غادرة، دعتني إليها شبقة، أغواني جمالها الأخاذ،كما تغوي غادة لعوب شابا ساذجا، ثم تنكرت لي ودهستني بلا مبالاة، كما تدوس مومس حريفا، جردته من كل مايملك؛ وتركته قميئا، ذليلا.
كدودة مقززة، أو حشرة حقيرة، ستنتهي حياتك البائسة، لا يكترث لوجودها أو عدمه أحد...
حتى المرأة الوحيدة، التي أحببتها تخلت عنك، نزعتك عن حياتها كنزع حية جلدها، خانتك و طلقتك غيابيا، بعد دخولك السجن...فأصبح سجنك مضاعفا.
دخلت السجن، لا لشيء إلا لأفكار آمنت بها ودافعت عنها، فكلفتك حريتك وعملك وزوجتك...حلمت بمجتمع تسود فيه قيم العدالة و الحرية، والنتيجة: صودرت حريتك وجارت عليك الدنيا..
عرج في تهويماته على ذكريات كثيرة، ظل يمضغها، لم يخرجه منها سوى صخب انتزعه مما كان فيها انتزاعا. و رأى شخصا أنيقا يرتدي ملابس فخمة من أحدث الصيحات، حاثا الخطو يتقدم نحوه، يصحبه رجلان ضخمان، يتبعانه كظله؛ اقترب منه الرجل الأنيق، و سلم عليه قائلا:
-كيف حالك رفيقي؟
مضى وقت طويل، لم يناده أحد بهذا اللقب. بدا له الصوت مألوفا، رفع رأسه ناظرا الى صاحب الصوت متفرسا ملامحه، وسرعان ما تعرف إليه: إنه صديق الشباب، رفيق الكفاح، تعانقا طويلا وسط دهشة حرفاء المقهى واستغرابهم، ثم بادره مستفسرا:
-سمعت أنك هاجرت خلسة، هروبا من مطاردة الأمن لك بسبب المناشير التي كنت توزعها، والأفكار التي تدعو إليها، أجابه بنبرة تطفح سخرية:
كانت فترة طيش، واستهتار، كنت شابا تائها، اي عدالة أنشد لشعوب مسحوقة؟ وأية حرية لناس لا يتلاءم معها سوى الشدة والقوة؟
ثم استرسل قائلاً:
-دعك من هذه الترهات، بحثت عنك خصيصا لتكون مناصرا لي في حزبي الجديد الذي أنشأته بعد عودتي من الغربة، وحدك من أثق به ليكون عونا لي في حملتي الانتخابية خاصة وأنك تعرف أحوال البلاد أكثر مني، قاطعه مستسفسرا:
- وما الاسم الذي أطلقته على حزبك؟
أجابه واثقا:
-حزب "العدالة والحرية". ما رأيك أليس اسما جميلا؟
تركه جالسا وغادر المقهى باكرا على غير عادته دون أن ينبس بكلمة واحدة.
أمام المقهى، سيارة فارهة لصديق الماضي، مناضل الأمس، تحتل مساحة كبيرة من الشارع.
في طريقه الى الغرفة الضيقة التي يعيش فيها، شعر برغبة شديدة في الغثيان...
ولج الغرفة، متأملا الكتب التي غصت بها رفوف مكتبته، محملة أفكارا عن العدالة والحرية والمساواة، قال في نفسه متفائلا:
-سيأتي يوم يتحقق فيه الحلم المنشود، لابد ان يأتي حتى وإن تأخر.
الأستاذة:
حلق الوادي /تونس
22/7/2019
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق