أنابيش
الجزء24
...ولج عمار بيت النوم وتمدّد على فراشه،محملقا نحو السّقف ،وترك عنان مخياله لسابِحات الفِكر، وحملته نجائب الوجد إلى منزل سارة ، فرأى نفسه واقفا وسط الحديقة وهي إلى جانبه ..وقد بدت عليهما علامات المحبّ ،وتتواتر الصّور التي تنفرج معها أسارير عمار ..فيغمض عينيه للنوم على ما يطمئن سريرته وعقله الباطن ..
مضت الأيام سريعة رغم أنّ عمار كان يعدّها عدّ من لا يملّ ولا يسأم ، وصادف يوم رجوع سارة وأمّها ،عودة المولدي من إجازته السّنوية ، وهو ما لم يحسب عمار حسابه ،ولكنه
يومها فرح فرحا شديدا ما عليه من مزيد ، لعلمه انّها فرصة لسارة لتفرح برؤية والد الحبيب كما فرح هو برؤية والدها ،
فكلا الأبوين من روائح الأحبّة ..فالحبيب يحب ّ احبّة الحبيب..
انقضى اليوم ، وعاد المولدي مساء .. كان عمار وسط منزلهم ،
يجلس إلى طاولة صغيرة وضع فوقها جهاز الراديو ويمسك رواية باللغة الفرنسية ،حين دخل المولدي وأطلق التحيّة على عمار ومبروكة التي كانت تسقي نباتات في أصيصات ..ردّ كلاهما التحيّة ، وحاذى المولدي الطاولة ، وأمر عمار بتسلم المغلّف ..معلّقا ..«خذ من عند سارة وأمّها» ..
شكر عمار والده ..بينما قالت مبروكة «ما هذا؟ أكثر اللّه خيرهنّ» ..
أمّا عمار فأخذ المغلّف لحينه وأدخله بيت النوم ، ليضعه في الصندوق ويحكم إقفاله ويخرج ليعلم أمّه أنّ ما جاء به والده
مجموعة من الكتب أوصى سارة أن تجلبها له ..فقالت مبروك:
«لا بدّ وأنّ معها أشياء أخرى» قالت ذلك لعمار في غفلة من المولدي ، فردّ عمار «إن كان هناك هدية فسأطلعك عليها ..»
وسرعان ما أذّن لصلاة المغرب ..وما إن انتهى عمار والمولدي من الصلاة في مسجد الحيّ وقفلا راجعين إلى المنزل حتى وجدا مبروكة قد أحضرت العشاء ، تحلّقت العائلة حول المائدة ، وأجهزوا على ماتمّ طبخه وحمدوا اللّه ..
جلس المولدي بمحاذاة عمار واضعا رجلا على رجل ، ثمّ فتح علبة السجائر وأشعل سيجارة ، وإذا بمبروكة قد أحضرت كأس شايّ منعنع ووضعته على الطاولة ، إلتفت المولدي ناحية عمار مخاطبا إياه: «استدعتك أمّ سارة ليوم الغد على الغداء..» ثمّ إن المولدي طفق ينظر في عيني عمار في شيء من المكر ..فلم يستطع الأخير أن يخفي ما بداخله ..ولا أن يهرب بوجهه من تلك النظرات ..وبان عليه الحياء وظهر
اضطرابه ،وخانه صوته وهو يعقّب على كلمات والده:«حاضر ،إن شاء اللّه..» وكان أذان صلاة العشاء المرفوع
طوق نجاة من عيون المولدي..
قصدا الجامع وأتمّا الصلاة مع الجماعة وقفلا راجعين إلى المنزل ،ليتمدّدا كل على سريره وفي موضعه..ظلّت عيني عمار مفتوحة تترصّد صور جميل المخيال وعذب الفِكر ،فهي على موعد مع السعادة ولذيذ المشاعر ..ومن وثق بماء لم يظمأ..
يتبع....
الجزء24
...ولج عمار بيت النوم وتمدّد على فراشه،محملقا نحو السّقف ،وترك عنان مخياله لسابِحات الفِكر، وحملته نجائب الوجد إلى منزل سارة ، فرأى نفسه واقفا وسط الحديقة وهي إلى جانبه ..وقد بدت عليهما علامات المحبّ ،وتتواتر الصّور التي تنفرج معها أسارير عمار ..فيغمض عينيه للنوم على ما يطمئن سريرته وعقله الباطن ..
مضت الأيام سريعة رغم أنّ عمار كان يعدّها عدّ من لا يملّ ولا يسأم ، وصادف يوم رجوع سارة وأمّها ،عودة المولدي من إجازته السّنوية ، وهو ما لم يحسب عمار حسابه ،ولكنه
يومها فرح فرحا شديدا ما عليه من مزيد ، لعلمه انّها فرصة لسارة لتفرح برؤية والد الحبيب كما فرح هو برؤية والدها ،
فكلا الأبوين من روائح الأحبّة ..فالحبيب يحب ّ احبّة الحبيب..
انقضى اليوم ، وعاد المولدي مساء .. كان عمار وسط منزلهم ،
يجلس إلى طاولة صغيرة وضع فوقها جهاز الراديو ويمسك رواية باللغة الفرنسية ،حين دخل المولدي وأطلق التحيّة على عمار ومبروكة التي كانت تسقي نباتات في أصيصات ..ردّ كلاهما التحيّة ، وحاذى المولدي الطاولة ، وأمر عمار بتسلم المغلّف ..معلّقا ..«خذ من عند سارة وأمّها» ..
شكر عمار والده ..بينما قالت مبروكة «ما هذا؟ أكثر اللّه خيرهنّ» ..
أمّا عمار فأخذ المغلّف لحينه وأدخله بيت النوم ، ليضعه في الصندوق ويحكم إقفاله ويخرج ليعلم أمّه أنّ ما جاء به والده
مجموعة من الكتب أوصى سارة أن تجلبها له ..فقالت مبروك:
«لا بدّ وأنّ معها أشياء أخرى» قالت ذلك لعمار في غفلة من المولدي ، فردّ عمار «إن كان هناك هدية فسأطلعك عليها ..»
وسرعان ما أذّن لصلاة المغرب ..وما إن انتهى عمار والمولدي من الصلاة في مسجد الحيّ وقفلا راجعين إلى المنزل حتى وجدا مبروكة قد أحضرت العشاء ، تحلّقت العائلة حول المائدة ، وأجهزوا على ماتمّ طبخه وحمدوا اللّه ..
جلس المولدي بمحاذاة عمار واضعا رجلا على رجل ، ثمّ فتح علبة السجائر وأشعل سيجارة ، وإذا بمبروكة قد أحضرت كأس شايّ منعنع ووضعته على الطاولة ، إلتفت المولدي ناحية عمار مخاطبا إياه: «استدعتك أمّ سارة ليوم الغد على الغداء..» ثمّ إن المولدي طفق ينظر في عيني عمار في شيء من المكر ..فلم يستطع الأخير أن يخفي ما بداخله ..ولا أن يهرب بوجهه من تلك النظرات ..وبان عليه الحياء وظهر
اضطرابه ،وخانه صوته وهو يعقّب على كلمات والده:«حاضر ،إن شاء اللّه..» وكان أذان صلاة العشاء المرفوع
طوق نجاة من عيون المولدي..
قصدا الجامع وأتمّا الصلاة مع الجماعة وقفلا راجعين إلى المنزل ،ليتمدّدا كل على سريره وفي موضعه..ظلّت عيني عمار مفتوحة تترصّد صور جميل المخيال وعذب الفِكر ،فهي على موعد مع السعادة ولذيذ المشاعر ..ومن وثق بماء لم يظمأ..
يتبع....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق