الثلاثاء، 23 يوليو 2019

عنوان القصة / أنابيش الجزء الثاني والعشرين / بقلم الشاعر / رؤوف بن سالمة

أنابيش
الجزء22

أفاق الجميع من روّاد الزّاوية منذ الصّباح الباكر ..حضّر الطبّاخون الإفطار ثمّ  وزّع على الحاضرين ..ودبّت الحركة في الزّاوية وكلّ الحيّ ، فاليوم غير عاديّ ،فهو بمثابة العيد ..وكيف لا وهو يتوافق مع ذكرى مولد سيّد الأولين والآخرين صلى اللّه عليه وسلّم .. الفرحة فرحتان ، وما إن تبلغ الشمس قدر رمح في السّماء ، حتّى يقبل المريدون في شكل دائريّ ،حاملين الدّفوف والبنادير ليبدأ تسخينها على نار متأجّجة من سعف النخيل اليابس ،ويتمّ تمرير راحة اليد على الجلود التي كستها ، وما إن يتمّ التّسخين ، حتى تخمد تلك النّار ..
يتقدّم مقدّم الطريقة وهو شيخ من أصول مغربية  أمازيغية  صرفة ليقرأ فاتحة الكتاب ويصليّ على الشفيع يوم التّناد ويتوسّل به وبجميع الأقطاب من العالمين ، وذلك بلكنة مغربيّة .. حتّى إذا مانتهى من ذلك يبدأ  في( الْعُدَّةِ) وهي ذكر مناقب الوليّ الصّالح (سيدي علي بن حمدوش) ..فإذا فرغ مقدّم الطريقة  من ذلك يبدأ الضرب بالبنادير والدفوف والطبل على وقع قصائد وأهازيج ويبدأ توافد القدّاشة والشيوخ وسط الحلقة واحدا بواحد ليأذن لهم  المقدّم والذي يفرغ من المحاورة وعادة ما تكون إمّا بلسان سرياليّ أو أعجميّ أو تركيّ ،فإذا ماحظي الشيخ بالموافقة والقبول ، يحضن المقدّم ، ثمّ يستدر وسط الحلقة ليبدأ رقصة الخمرة ، حينها يسلّمه المقدّم إمّا سيفا ليمرّره على جنبيه بقوّة وعزم أو على جهتي رقبته، وإمّا فأسا صغيرة حادّة الشفرة، فيشطح بها ثمّ يقفز لسبعة أو تسعة مرّات ويضرب بها رأسه حتى يسيل الدّم على جنبات خديه ، أو أن يتسلّم مجموعة عصيّ عددها خمس مشدودة إلى بعضها بسوار حديديّ ،فيضرب بها رأسه ،ويكون عدد الضربات فرديّ..في هذا الجو تكونّ البطحاء قد إمتلأت بالزّوار من كلّ حدب وصوب ، فإذا مانتهى الشّواش والمشايخ من ذلك ، يؤتى بخروف ليذبح وسط الحلقة ،ثمّ يرفع ليذهب به إلى الزاوية ، وفي الزاوية ذبح أيضا عجل ، لإعداد الفطور لكلّ من يزور الزاوية ..
يشتدّ ضرب الطبل بعد ذلك مع الاهازيج والقصائد ليدخل الحلقة المريدون فيفعل ما فعل المشايخ والشّواش من قبلهم ، وعلى المقدّم أن يكون واقفا على كلّ مريد فإذا رآه أتمّ الضرب على رأسه سارع فاحتضنه  وليفكّ الآلة من بين يديه ويهمس في إحدى أذنيه بكلمتي الشهادة ، ثمّ يتفل المقدّم في راحة يده اليمنى ويمسح آثار الجراح، فيكفّ الدّم عن السيلان ولا يحسّ المريد بأيّ ألم بعد ذلك ..
يتواصل هذا المشهد لأكثر ثلاث ساعات ، وقد أثار إعجاب الزّائرين ودهشتهم وعميق حيرتهم لما عاينوه ، فتراهم يبادرون بسؤال إمّا أهل الحيّ وقليل منهم من يملك الإجابة ، أو ينتظرون النهاية فيتسابقون ليسألوا المشائخ أو المقدّم ، ثمّ يستدعى الجميع لأكل الكسكسي واللّحم ..
وعند التجمّع داخل الزاوية يعطي الزوار للمقدّم عطاياهم نقدية وكثر هم من جاءوا للنّذر ..
وفجأة أطلّ السيّد توفيق والد سارة ..وتنبه عمار لدخوله بهو
الزاوية ..فحث ّ الخطى  نحوه  مسرعا ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق