أنابيش..
الجزء 15
...لم يعر عمار لصوت انغلاق باب قاعة الجلوس اهتماما،
وجلس يتمعّن في أرضيتها، من الجليز الأسود والأبيض، وقد فرشت زربية بين الأرائك غطّت جزء منّ أرضيتها ،بينما سارعت عمّته إلى المطبخ لتحضر قهوة وبعض الفاكهة ..
وسرعان ما عادت تحمل صينية ، بها قهوة سوداء أعدتها بسرعة، لتضمن سهر ابن أخيها، الذي بدا عليه الإعياء وهو الذي مشى ،من المحطة صعودا حتى وصل إليها ، ولا يزال يلهث من شدّة التّعب ..جلست الزهراء قبالته وطفقت تسأله عمن تعرفهم بالمتلوي.. وذكر لها أنّ المولدي أخاها قد جاء معه ليزور *الجموعي*..
ثم سألته إن كان زار القصر قبل الآن ..فردّ عمار ..*رأيته من بعيد وأنا ألعب مع عبدالرزاق وعبداللطيف وعبدالحفيظ أبناؤك، ونحن مع أولاد *دوار أولاد أحمد* وقد أشاروا اليه بالإصبع ولم أدخله، وقد كان ذلك منذ سنتين خلتا ..ولكنّي الآن بداخله..*..وتمتمت عمته بكلمات فيها ما فيها ..ولكنّه لم يتبيّن المغزى من وراء سؤالها رغم نباهته..ثمّ إن ّ عبدالرزاق وعبداللطيف طلبا منه الخروج لتفقد زريبة الأغنام معاهما ..
وهي غير بعيدة.فرحّب عمار بذلك ، بينما اتصلت عمّته بالمطبخ لتكمل طبخ *المقرونة بلحم الخروف وجبن القرويار* التي يحبها عمار كثيرا ،خصوصا وأنّها تعلمتها من صديقتها الإيطالية *باولا* ..
اقترب عمار وأبناء عمّته من الزّريبة.. وإذا بهم يلتقون بأبيهم يطعم الأغنام، ويحضر لها الماء ..سلّم عمار على زوج عمته، فردّ عليه الأخير التحيّة بحرارة ،وفرح لمقدمه كثيرا ..وظلّ الأولاد يطلعون عمار على المكان ..حيث قال عبدالرزاق ..*ذاك دوار أولاد أحمد ..وتلك طريق تمغزة وتلك في اتجاه الغرب ثكنة الجيش، ومن هنا ناحية الشمال الغربي قرية الفريد..*
ثم ناداهم صوت محمد زوج عمته للدخول وقد أسدلت الظلمة رداءها مناديا..*أرّاحو نتعشو..*خصوصا أنّه بعد زمن قصير سيلتحق بالحافلة، لتنقله أمام الداموس حيث يستخرج الفسفاط من باطن الأرض..
اقتحم الجميع غرفة الطعام، بعد أن غسلوا أيديهم بغرفة الإستحمام بالماء والصابون،وجلسوا على أرائك جميلة، حول طاولة مستطيلة وطويلة ..وقد أخذ كل منهم يغرف من صحفة كبيرة *المقرونة*،وقطعة من اللحم ،ومن صحن ءاخر كبير ،سلطة طماطم وفلفل وخيار..ثم ذرّت العمّة على كل صحن، جبن *القرويار* المبشور.. فذاب بسرعة، لأنّ* المقرونة ساخنة* ..
لما انتهى الجميع من العشاء.. غيّر محمد ملابسه ،ولبس أزرق العمل، وأخذ جبيرته،التي يحمل بها عدّة العمل، وشدّ بيده خوذته ،وقد ترك الجميع بغرفة الجلوس ،يحتسون شايا أخضر منعنعا ،فودعهم وخرج ..ومضى الوقت سريعا فغادر أبناء العمّة لأسرّتهم ..وبقي عمار وعمته يتجاذبون أطراف الحديث، وقد تجاوزت السّاعة منتصف الليل ..وخيّم السكون على المكان ،فلا تسمع الاّ عواء الذئاب بعيدا..فسال عمار عمته عن الأغنام،فبيّنت له أن ّ الزّريبة محكمة الإقفال ..ولا سبيل لدخول الذئاب إلا ّ بكسر قفل باب الحديد..ثم نهضت من مكانها الذي لم يكن قريبا من عمار، وجلست حذوه ،متعلّلة بأنها لم تعد تسمع جيدّا،ومرّت لحظات من الصّمت المطبق في الدّاخل والخارج ..وإذا بصوت أحد الستائر كأنّه يفتح ..وقطع الصّوت الصّمت .فاشرأبّ رأس العمّة نحو النّافذة ..فإذا بستارة شباك بيت الجلوس تفتح ..انتبه عمار ملتفتا وراءه فلم يشاهد من فعل ذلك ولكنّه رأى الستارة مفتوحة.. اندهش لذلك ،ولكن علامات الخوف لم تزره بعد..فقالت العمة ،*كل ليلة هكذا..يحصل معي ..ومنذ اكثر من أسبوع، أصبح يحدث في النّهار ،عندما أكون وحيدة..لم تتمّ العمّة جملتها وإذا بأحد أبواب الغرف المجاورة، يحدث أزيزا ،كانه يفتح أو يغلق،وهنا سأل عمار عمّته..*من يفعل هذا؟هل هو أحد الأولاد*لم يتمّ عمار جملته، حتى كانت العمة قد احتضنته.. وقد بدت عليها ملامح الخوف،وأصبحت عيناها طائشتين ،ولا تحدقان في موضع واحد، ثم انحنى رأسها على كتفه ،وحاول عمار أن يهدأ من روعهاقائلا..*ما تخافش هاني حذاك..قولي لي أشكون يعمل هكذا؟* لكن الخوف والهلع، تلبسا بالعمة فلم تعد قادرة على التحدّث..وإذا بباب أحد الغرف يركن ركنا، هزّ أرجاء القصر..وقفز عمار لهول الصّوت من مكانه، وقد تهدّد الفاعل قائلا..* كانك راجل أخرج وبيّن روحك ،ونا عمار ولد المولدي ،اتشوف واش نعملك ،يا كلبة بن كلب..*…
يتبع..
الجزء 15
...لم يعر عمار لصوت انغلاق باب قاعة الجلوس اهتماما،
وجلس يتمعّن في أرضيتها، من الجليز الأسود والأبيض، وقد فرشت زربية بين الأرائك غطّت جزء منّ أرضيتها ،بينما سارعت عمّته إلى المطبخ لتحضر قهوة وبعض الفاكهة ..
وسرعان ما عادت تحمل صينية ، بها قهوة سوداء أعدتها بسرعة، لتضمن سهر ابن أخيها، الذي بدا عليه الإعياء وهو الذي مشى ،من المحطة صعودا حتى وصل إليها ، ولا يزال يلهث من شدّة التّعب ..جلست الزهراء قبالته وطفقت تسأله عمن تعرفهم بالمتلوي.. وذكر لها أنّ المولدي أخاها قد جاء معه ليزور *الجموعي*..
ثم سألته إن كان زار القصر قبل الآن ..فردّ عمار ..*رأيته من بعيد وأنا ألعب مع عبدالرزاق وعبداللطيف وعبدالحفيظ أبناؤك، ونحن مع أولاد *دوار أولاد أحمد* وقد أشاروا اليه بالإصبع ولم أدخله، وقد كان ذلك منذ سنتين خلتا ..ولكنّي الآن بداخله..*..وتمتمت عمته بكلمات فيها ما فيها ..ولكنّه لم يتبيّن المغزى من وراء سؤالها رغم نباهته..ثمّ إن ّ عبدالرزاق وعبداللطيف طلبا منه الخروج لتفقد زريبة الأغنام معاهما ..
وهي غير بعيدة.فرحّب عمار بذلك ، بينما اتصلت عمّته بالمطبخ لتكمل طبخ *المقرونة بلحم الخروف وجبن القرويار* التي يحبها عمار كثيرا ،خصوصا وأنّها تعلمتها من صديقتها الإيطالية *باولا* ..
اقترب عمار وأبناء عمّته من الزّريبة.. وإذا بهم يلتقون بأبيهم يطعم الأغنام، ويحضر لها الماء ..سلّم عمار على زوج عمته، فردّ عليه الأخير التحيّة بحرارة ،وفرح لمقدمه كثيرا ..وظلّ الأولاد يطلعون عمار على المكان ..حيث قال عبدالرزاق ..*ذاك دوار أولاد أحمد ..وتلك طريق تمغزة وتلك في اتجاه الغرب ثكنة الجيش، ومن هنا ناحية الشمال الغربي قرية الفريد..*
ثم ناداهم صوت محمد زوج عمته للدخول وقد أسدلت الظلمة رداءها مناديا..*أرّاحو نتعشو..*خصوصا أنّه بعد زمن قصير سيلتحق بالحافلة، لتنقله أمام الداموس حيث يستخرج الفسفاط من باطن الأرض..
اقتحم الجميع غرفة الطعام، بعد أن غسلوا أيديهم بغرفة الإستحمام بالماء والصابون،وجلسوا على أرائك جميلة، حول طاولة مستطيلة وطويلة ..وقد أخذ كل منهم يغرف من صحفة كبيرة *المقرونة*،وقطعة من اللحم ،ومن صحن ءاخر كبير ،سلطة طماطم وفلفل وخيار..ثم ذرّت العمّة على كل صحن، جبن *القرويار* المبشور.. فذاب بسرعة، لأنّ* المقرونة ساخنة* ..
لما انتهى الجميع من العشاء.. غيّر محمد ملابسه ،ولبس أزرق العمل، وأخذ جبيرته،التي يحمل بها عدّة العمل، وشدّ بيده خوذته ،وقد ترك الجميع بغرفة الجلوس ،يحتسون شايا أخضر منعنعا ،فودعهم وخرج ..ومضى الوقت سريعا فغادر أبناء العمّة لأسرّتهم ..وبقي عمار وعمته يتجاذبون أطراف الحديث، وقد تجاوزت السّاعة منتصف الليل ..وخيّم السكون على المكان ،فلا تسمع الاّ عواء الذئاب بعيدا..فسال عمار عمته عن الأغنام،فبيّنت له أن ّ الزّريبة محكمة الإقفال ..ولا سبيل لدخول الذئاب إلا ّ بكسر قفل باب الحديد..ثم نهضت من مكانها الذي لم يكن قريبا من عمار، وجلست حذوه ،متعلّلة بأنها لم تعد تسمع جيدّا،ومرّت لحظات من الصّمت المطبق في الدّاخل والخارج ..وإذا بصوت أحد الستائر كأنّه يفتح ..وقطع الصّوت الصّمت .فاشرأبّ رأس العمّة نحو النّافذة ..فإذا بستارة شباك بيت الجلوس تفتح ..انتبه عمار ملتفتا وراءه فلم يشاهد من فعل ذلك ولكنّه رأى الستارة مفتوحة.. اندهش لذلك ،ولكن علامات الخوف لم تزره بعد..فقالت العمة ،*كل ليلة هكذا..يحصل معي ..ومنذ اكثر من أسبوع، أصبح يحدث في النّهار ،عندما أكون وحيدة..لم تتمّ العمّة جملتها وإذا بأحد أبواب الغرف المجاورة، يحدث أزيزا ،كانه يفتح أو يغلق،وهنا سأل عمار عمّته..*من يفعل هذا؟هل هو أحد الأولاد*لم يتمّ عمار جملته، حتى كانت العمة قد احتضنته.. وقد بدت عليها ملامح الخوف،وأصبحت عيناها طائشتين ،ولا تحدقان في موضع واحد، ثم انحنى رأسها على كتفه ،وحاول عمار أن يهدأ من روعهاقائلا..*ما تخافش هاني حذاك..قولي لي أشكون يعمل هكذا؟* لكن الخوف والهلع، تلبسا بالعمة فلم تعد قادرة على التحدّث..وإذا بباب أحد الغرف يركن ركنا، هزّ أرجاء القصر..وقفز عمار لهول الصّوت من مكانه، وقد تهدّد الفاعل قائلا..* كانك راجل أخرج وبيّن روحك ،ونا عمار ولد المولدي ،اتشوف واش نعملك ،يا كلبة بن كلب..*…
يتبع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق