.......................
انابيش.
الجزء العاشر.
.........................
استيقظ عمار وأبوه فجرا، فوجدا مبروكة قد أعدت لعمار فطور صباح ملكيا..فولا مطبوخا بالإكليل ومملّحا،وحباّت زيتون وتينا، وتمرا وخبز طابونة لا يزال ساخنا،وزيت زيتون في صحفة بيضاء، ومربى مشمش وزبدة وكوبا من القهوة بالحليب*قلوريا* ..كان عمار قد اغتسل ولبس كسوته الجديدة، جلس مع والده الذي أتم ّ صلاة الفجر وحضر للإفطار، أوصى المولدي عمارا وهما يتناولان الفطور ،أن لا يستحم أثناء القيلولة،وأن لا يتهور في السباحة،وأن لا يبتعد عن القايد أحمد،وأن لا يتعدى على اقرانه وأن لا يكون عنيفا معهم،وأن يسلّم نقوده للقائد أحمد عند ركوب الحافلة،أكمل كلاهما الإفطار وحمدا اللّه ودعوا أن يديم ربّ العزة نعمته ويحفظها من الزوال،ونظر المولدي في ساعة يده ال..*هيرما دي لوكس Herma de luxe* التي اشتراها سنة إثنان وخمسون وتسعمائة وألف من المقتصدية،ظلّت هذه السّاعة ذات الماركة السويسرية والجودة العالية تعمل ولا تتوقف ..قال المولدي *هيا نخرجوا توا الكار قريب تجي..* حمل عمار حقيبته واتجه نحو الباب بعد أن ودّع أمه بالأحضان ، فدعت له بالرجوع سالما غانما وأن يحفظه اللّه، واستدار عمار مستقبلا الشارع وحاثا خطاه وكذلك فعل الأب،وإذا بهما في ساحة الجامع وقد حضر أغلب الفريق الكشفي والقائد أحمد والقائد بلقاسم والقائد محمد شهر *طانبي*..وقف المولدي بمحاذاة القائد أحمد وكذا فعل عمار بعدما أطلقا تحيّة الصباح على الجميع بصوت واحد،ثم أوصى المولدي القادة خيرا بعمار وأوما الأب لإبنه أن يسلّم مصروفه للقائد أحمد والمتمثّل في خمسمائة وألف مليم ،وهو مبلغ بالغ الأهمية ،وقد ترك عمار في جيبه أربعمائة مليم لزوم بعض المصاريف كالأكل والشرب اثناء السفرة،
وبينما الجميع متحلّق إذ بالحافلة تطلّ،وصعد الفريق الكشفي،وقد اختار عمار الجلوس بجانب النافذة في الجهة البعيدة عن الشمس عند بزوغها،وحتى يتمتع أكثر بالمناظر الطبيعية الخلاّبة،ودّع الأطفال أهاليهم عبر النّوافذ،وانطلقت الحافلة تشقّ ما بقي من الظلمة، وقد انبلج الصبح وشقشق نور الإصباح ببهيّ ضوء شمسه الوضاح وسرى نورها عبر البطاح..ظلّ الفريق الكشفي ينشد *هيا نشاهد القرى..وخلقت طليقا..وعزم وكد..*وغيرها من الأناشيد التي حفظوها عن القادة الأفذاذ..كان عمار مراوحا بين الإنطوائية حينا ومشاركة أقرانه الأناشيد والأهازيج حينا آخر ، وكثيرا ما كانت تستهويه جمالية المناظر الطبيعية ..أخيرا وصلت الحافلة مدينة القيروان ،فتوقفت بجانب مطعم فاخر،فنزل الجميع للإفطار بأمر من القائد أحمد ،تدافع الصّبية إلى الكراسي فانتظار ما يجلب لهم لتسكين جوعهم، وأفطر الجميع،وقد بدت علامات الفرح على وجوههم، وجلس القادة والسّائق يحتسون كاسات شاي ويعفرون سجائر *الخضراء* بعد أكلة دسمة..أمضى الفريق الكشفي ساعة زمن في القيروان، ثم امتطوا الحافلة التي سلكت الطريق باتجاه العاصمة وقد غلب النعاس الجميع عدا السائق والقائد احمد، اللذين ظلاّ يتجاذبان الحديث حول ما فعلته الفياضانات من كوارث كانقطاع السكة الحديدية بين*السويطير*و*أم العرائس*فقد جرفت السيول السكة الحديدية كما فعلت ذلك بين *المتلوي*و* الكيلومتر ستة عشر بجبال الثالجة* وأصبح أهالي *الرديف* و*أم العرائس* وكيف انقطعت الطريق المعبدة والسكة الحديدية بين *المتلوي* و*الجريد* على مستوى *وادي القويفلة* حيث أن هذا الوادي كما يذكر القائد أحمد ينزل من سلسلة الأطلس الصحراوي بالجزائر ليصل التراب التونسي عبر * وادي الكبير بجهة القصرين وفريانة*ليصب في *وادي بياش* ب*قفصة* ثم * وادي القويفلة* بين*الجريد* و*المتلوي* لينتهي به المطاف ب*شط الغرسة* على الحدود الجزائرية التونسية..وتواصل الحديث حول الخسائر بالجهة وحتى على مستوى الجمهورية..
ظلت الحافلة تقطع طريقها نحو العاصمة حتى أطل ّ جبل *بوقرنين* ..فقال بلقاسم..(هذا جبل بوقرنين).
استدار الجميع برؤوسهم لينظروا حيث أشار القائد بلقاسم..فقال أحد الحاضرين (اه..تي هظا هاو فيه سزر ) وكان يقصد أن ّ الجبل مكسو شجرا..وعلت قهقهات عالية ..وبقي الجميع يتندر بكلمة*سَزَرْ*..
*كانت الشمس تميل للمغيب في حمرة مثل اللّهب ..فللّه ما أحلى الغروب ،والليل لمّا يقترب* .. إلتفت بلقاسم مستديرا إلى الخلف وقال ..*اخيرا ..ها هي العاصمة..نحن الآن بساحة برشلونة*..
توقفت الحافلة بمحاذاة حديقة مكسوة بساطا دائم الخضرة،ترجّل الجميع،ليتمددوا عليه ،وانتبه الحاضرون من عُمَّارِ المكان ليتفرسوا في وجوه القادمين وقد بدت مغبرة سمراء كالحة، وهمس البعض *ظاهر مالجنوب..أخزر لهجتهم*..
تمدّد الجميع على العشب الأخضر بينما فضّل القادة والسائق إحتساء القهوة في مقهى مجاورة لبناية عالية كتب عليها*تعاونية التامين للتعليم* ..وأن يعفروا بعض السجائر،وهم يتحدثون حول المسافة الباقية * لبنزرت * ثم *الرمال* وطمأن السائق القادة أن المسافة الباقية لا تعد امام ما مضى ،ومرّ نصف الساعة سريعا،وقد أمر القائد أحمد الجميع بالركوب في الحافلة، وما هي إلا ّ دقائق حتى كانت الحافلة تغادر العاصمة ،وقد تلاشت أنوارها الساطعة ولفّتنا العتمة،وبدأ الضّجر والسّآمة تتولد لدى البعض لطول السفرة والإعياء ..وخيّم الصّمت وسط الحافلة ..وإذا ببعض الأنوار تظهر بعيدة ،ولكن بقعة شاسعةمن الأنوار المتراقصة كانت تلوح في الأفق،قال بلقاسم*تلك بنزرت* وهنا هبّ الصبية في حماسة وقد علت ضوضاؤهم التي قطعت سكونا خيّم على الحافلة ردها من الزمن ومرددين*يا شيفور ..يا قزدور.. زيد عشرة..في الميتور..* وانفرجت أسارير السائق حتى بانت أسنانه في المرءاة العاكسة داخل الحافلة ،وقد اشتعلت أضواؤها الداخلية ..شقّت الحافلة مدينة بنزرت الجلاء وعبرت قنطرة نحو *جرزونة* ثم ظهرت عبر أضواء الطريق طريق إلتفافية وسط غابة قال بلقاسم انها*غابة صنوبر..نحن دخلنا الرمال ..وصلنا ..نعم وصلنا..*وما هي إلا ّ دقائق حتى هدأ هدير محرّك الحافلة ..وفتحت أبوابها..وتتالى نزول الصّبية الكشافة..
يتبع..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق