أنابيش
الجزء 14
ولج المولدي إلى داخل المنزل ماسكًا بيده اليمنى الرّسالة التليغرافيّة مفتوحة وسلّمها لعمار الذّي مرّ بعينيه على حروفها سريعا قارئا .*.أخوك مريض ويطلب منك الحضور على وجه السّرعة ..* وحملق الحاضرون في وجه المولدي وقد اكفهر وجهه ولمعت في عينه بداية الدّمعة فتنهّد وقال ..*قدّر اللّه وما شاء فعل ..*بنبرة حزينة وبقلب المؤمن ..وأضاف ..*ساصطحب معي عمار في قطار هذا المساء ليزور عمته *الزهرة* أما انا فسأبيت عند أخي ..*
واستقل المولدي وابنه قطار الخامسة مساء ..حبل طويل من عربات الفسفاط وثلاث عربات للمسافرين وعربة حمراء في مؤخرة القطار تحمل البريد وطاقم المشرفين على السّفرة
و منهم رئيس القطار ..وغادر القطار محطّة *المقرون* يتلوى كثعبان ملتهما فجاجا في اتجاه جبال الثالجة السّامقة حتى توقف في* الكيلومتر ستة عشر* ومنه إلى محطّة * تَابِدِيتْ* حيث توقّف لينزل بعض سكان *الظّهيرة*و*روس لعيون*وهم من الفلاحة البدو على جنبات *وادي الحاشي*و*وادي جمل* وماهي الاّ ساعتان الاّ ربعا الاّ وعلت صيحة القطار إيذانا بالوصول إلى محطّة *الرّديف* نزل عمار ووالده وقد أمسك كلّ منهما سلّة بها بعض *الشاي والسكر وعلبتا جبن وعلب حلوى شامية وبسكويت (القوفرات) وعلبة مربي المشمش وبعض الغلال من الإجاص والخوخ * ..يعرف عمار بيت عمّته الجديد..فقد رآه ذات مرة عن بعد قبالة *دُوَّارْ أولاد أحمد*..فقطع السّكة في اتجاه برج *قِييُّومْ..Guillaume* ...
قصر مهيب على ربوة عالية إلى الشّمال الغربيّ من مدينة الرّديف ..بني القصر في بدايات القرن الماضي ..وسكنه فرنسي يعمل كإطار في شركة الفسفاط ..ظلّ القصر الذي يضمّ حوالي ستّة عشرة غرفة عامرا حتى نهايات الثلاثينات بالرديف ..القصر معزول تماما عن العمران إلا ّ على (فريق أولاد أحمد شَعَرْ ) من أولاد سيدي أبا عبيد الله الشريف الولي الصالح والمدفون بجبل*فُوّة*بالتراب الجزائري .. ويبعد القصر عن هؤلاء حوالي ثمانمائة متر..على أقصى تقدير..في بداية الحرب العالمية تم الإنتقام من صاحبه (Guillaume) مع عائلته الصّغيرة بالقتل من قبل الألمان النّازيين ..وظلّ القصر بعد ذلك مهجورا إلى بدايات الخمسينات حيث قامت الثّورة التّونسية ..فكانت السّلطات الفرنسية تضع فيه شهداء الثورة ثم يسلّمون إلى أهلهم ليدفنوا..وبقي القصر كذلك حتى جاء الاستقلال ..بعد الإستقلال اكتسح العرب الحيّ الأوروبي في بدايات الستينيات ..وسكن العرب أغلب مساكن الفرنسيين ..وظلّ البرج خاليا لا أحد يسكنه ..طلب محمد السّكن في هذا البرج وحصل على الموافقة من شركة الفسفاط .قطع عمار خطواته في *فيراندته* ذات القرميد الأحمر الآتي رأسا من مدينة *مارساي* حيث صنع ..وصل عمار أمام مدخل القصر وضغط زرّا في خدّ الباب أصدر صوتا بداخل القصر وما هي إلا ّ ثواني حتى فتح الباب وضمّ عبدالرزاق ابن خاله طويلا ، ثمّ دخلا معا وإذا بعمّته الزّهرة قد أطلّت من باب المطبخ مردّدة ..*عمار ..عمار ولد خويا وينك واش حالك واش حال باباك ويني أمك وينهم أخواك وأخواتك ..لاباس عليكم * وردّ عمار الحمدللّه ..نحن بخير * وبعد المرور في الممرّ الطويل في اتجاه بيت الجلوس قالت الزهرة لعمار..*زوز مرحبا* فردّ عمار..* وبيك أكثر* ليأخذ كلّ مكانا على الأرائك ، وإذا بباب بيت الجلوس يحدث صوتا وهو ينغلق لوحده ....
الجزء 14
ولج المولدي إلى داخل المنزل ماسكًا بيده اليمنى الرّسالة التليغرافيّة مفتوحة وسلّمها لعمار الذّي مرّ بعينيه على حروفها سريعا قارئا .*.أخوك مريض ويطلب منك الحضور على وجه السّرعة ..* وحملق الحاضرون في وجه المولدي وقد اكفهر وجهه ولمعت في عينه بداية الدّمعة فتنهّد وقال ..*قدّر اللّه وما شاء فعل ..*بنبرة حزينة وبقلب المؤمن ..وأضاف ..*ساصطحب معي عمار في قطار هذا المساء ليزور عمته *الزهرة* أما انا فسأبيت عند أخي ..*
واستقل المولدي وابنه قطار الخامسة مساء ..حبل طويل من عربات الفسفاط وثلاث عربات للمسافرين وعربة حمراء في مؤخرة القطار تحمل البريد وطاقم المشرفين على السّفرة
و منهم رئيس القطار ..وغادر القطار محطّة *المقرون* يتلوى كثعبان ملتهما فجاجا في اتجاه جبال الثالجة السّامقة حتى توقف في* الكيلومتر ستة عشر* ومنه إلى محطّة * تَابِدِيتْ* حيث توقّف لينزل بعض سكان *الظّهيرة*و*روس لعيون*وهم من الفلاحة البدو على جنبات *وادي الحاشي*و*وادي جمل* وماهي الاّ ساعتان الاّ ربعا الاّ وعلت صيحة القطار إيذانا بالوصول إلى محطّة *الرّديف* نزل عمار ووالده وقد أمسك كلّ منهما سلّة بها بعض *الشاي والسكر وعلبتا جبن وعلب حلوى شامية وبسكويت (القوفرات) وعلبة مربي المشمش وبعض الغلال من الإجاص والخوخ * ..يعرف عمار بيت عمّته الجديد..فقد رآه ذات مرة عن بعد قبالة *دُوَّارْ أولاد أحمد*..فقطع السّكة في اتجاه برج *قِييُّومْ..Guillaume* ...
قصر مهيب على ربوة عالية إلى الشّمال الغربيّ من مدينة الرّديف ..بني القصر في بدايات القرن الماضي ..وسكنه فرنسي يعمل كإطار في شركة الفسفاط ..ظلّ القصر الذي يضمّ حوالي ستّة عشرة غرفة عامرا حتى نهايات الثلاثينات بالرديف ..القصر معزول تماما عن العمران إلا ّ على (فريق أولاد أحمد شَعَرْ ) من أولاد سيدي أبا عبيد الله الشريف الولي الصالح والمدفون بجبل*فُوّة*بالتراب الجزائري .. ويبعد القصر عن هؤلاء حوالي ثمانمائة متر..على أقصى تقدير..في بداية الحرب العالمية تم الإنتقام من صاحبه (Guillaume) مع عائلته الصّغيرة بالقتل من قبل الألمان النّازيين ..وظلّ القصر بعد ذلك مهجورا إلى بدايات الخمسينات حيث قامت الثّورة التّونسية ..فكانت السّلطات الفرنسية تضع فيه شهداء الثورة ثم يسلّمون إلى أهلهم ليدفنوا..وبقي القصر كذلك حتى جاء الاستقلال ..بعد الإستقلال اكتسح العرب الحيّ الأوروبي في بدايات الستينيات ..وسكن العرب أغلب مساكن الفرنسيين ..وظلّ البرج خاليا لا أحد يسكنه ..طلب محمد السّكن في هذا البرج وحصل على الموافقة من شركة الفسفاط .قطع عمار خطواته في *فيراندته* ذات القرميد الأحمر الآتي رأسا من مدينة *مارساي* حيث صنع ..وصل عمار أمام مدخل القصر وضغط زرّا في خدّ الباب أصدر صوتا بداخل القصر وما هي إلا ّ ثواني حتى فتح الباب وضمّ عبدالرزاق ابن خاله طويلا ، ثمّ دخلا معا وإذا بعمّته الزّهرة قد أطلّت من باب المطبخ مردّدة ..*عمار ..عمار ولد خويا وينك واش حالك واش حال باباك ويني أمك وينهم أخواك وأخواتك ..لاباس عليكم * وردّ عمار الحمدللّه ..نحن بخير * وبعد المرور في الممرّ الطويل في اتجاه بيت الجلوس قالت الزهرة لعمار..*زوز مرحبا* فردّ عمار..* وبيك أكثر* ليأخذ كلّ مكانا على الأرائك ، وإذا بباب بيت الجلوس يحدث صوتا وهو ينغلق لوحده ....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق