الجمعة، 14 يونيو 2019

قصة قصيرة بعنوان / الجفاء والوفاء / بقلم الاستاذ الناقد / جلال ساجت






( الجفاء والوفاء )
 
تعرفت عليه في العام ١٩٩٦ عندما كنت أعمل بجمعية الهلال الأحمر العراقي ( وهي منظمة خيرية إغاثية مستقلة ) ، كان رجلا وقورا يحاول جاهدا أن يخفي ملامح الهوان البادية على وجهه بوضوح ، كان عبد القادر استاذا للرياضيات في احدى المدارس الثانوية في مدينتنا وكان راتب المدرس آنذاك لا يتجاوز ثلاثة دولارات فأرى سوء التغذية قد ترك بصمته على ذلك الوجه الوقور ، كانت تأتيه رسائل ورقية من أولاده الثلاثة من زوجته الكويتية ( روضة ) وهم ( محمد ومفيدة وخولة ) قبل أن يطرد من الكويت ويعود خائبا الى العراق بعد خلاف مع زوجته تاركا أبناءه الثلاثة هناك وكانت الدموع تنهمر من عينيه كالشلال وهو يقرأ رسائل ابناءه ، وكلما كانت تأتيه رسالة أتصل به على هاتفه الأرضي ليأتي ويأخذ الرسائل ويرد عليها لنبعثها من جديد الى ابناءه في الكويت وكنت أخلي له غرفة مكتبي وأتركه ليطلق العنان لدموعه وآهاته وحسراته ولم أكن اجرأ على سؤاله ، حتى العا ١٩٩٨ اختفى الاستاذ عبد القادر ولم يعد له أثر في المدينة وكان الفضول يدفعني للسؤال عنه لأنه صار صديقي من خلال تعامي معه ما يقرب من ثلاث سنوات .. أخيرا عرفت ان عبد القادر قد هاجر الى فرنسا ، كيف ولماذا ومن أين جاء بمبلغ جواز السفر الذي كان يكلف في حينها ٤٠٠ دولار وجاء الرد الصادم والمفرح .. كان عبد القادر قد انتدب للتدريس في الجزائر في العام ١٩٧٠ ( إبان حملة التعريب في الزائر فذ ذلك الزمن حينها كان عبد القادر قد تعرف على فتاة جزائرية اسمها رجاء وقد تزوجها على سنة الله ورسوله وأنجبت منه ولدا أسمته مهند وعندما انتهت فترة الانتداب عاد الى العراق مع زوجته وابنه ، في مدينته الجنوبية النائية ، لم تتأقلم رجاء مع الوضع الجديد وفضلت العودة مع ابنها الى الجزائر ، كان القانون الفرنسي يمنح الجنسية الفرنسية لكل جزائري مولود قبل العام ١٩٦١ وبما أن رجاء مولودة في العام ١٩٥٧ فقد حصلت على الجنسية الفرنسية وسافرت الى هناك مع ابنها مهند الذي تربى في كنف والدته وتخرج من الثانوية ثم تخرج من أكاديمية الشرطة ليصبح ضابطا في الشرطة الفرنسية حينها سأل مهند عن والده فحكت رجاء القصة كاملة لولدها ولأن الدم العربي يجري في عروق مهند فقد سافر الى الكويت والتقى اخوته الثلاثة وأخذ منهم عنوان ورقم هاتف والده واتصل به وبعث له مبلغ ألف دولار وأعطاه عنوان في عمان في الأردن وسافر عبد القادر الى الأردن والتقى ولده مهند الذي طار به الى فرنسا حيث زوجته جميلة وبقي هناك يعمل مدرسا للغة العربية .. قبل أشهر جاء بزيارة الى مدينته العتيقة وإذا به قد عاد شابا بعد ان اجرى له ابنه مهند عملية ( عملية فرمتة كاملة ) فأصلح اسنانه وعينيه والأهم أصلح نفسيته وأزال عنه جميع العلل .........


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق