الخميس، 20 يونيو 2019

دراسة نقدية / للشاعرة الدكتورة التونسية / مفيدة الجلاصي لقصيدة الكاتب / مهند كريم التميمي / بعنوان ( زلزال مخيف )





( دراسة نقدية )

في هذة الدراسة النقدية للقصيدة انطلقت من محاولة تحديد العلاقة بين العنوان ومحتوى النص الذي اعتبرة شاعرنا نصا سرديا مشفرا
وأول ما يشدنا في الحقيقة هو اختياره لعنوان يتماشى في رأينا بما تحمله القصيدة من معان تجعلها كما يبدو متسمة بالطابع الرومانسي متمثلا أساسا فيما تضمنته من معجم لغوي مغرق في هذا الاتجاه الشعري الذي من أساسياته التركيز على وصف الشاعر لأحواله النفسية بما يجده من حيرة وألم ووجع في الروح تتجسم في حالة التساؤل التي تسيطر عليه في البحث عن الحقيقة فنرى هذه الذات الملتاعة بما تعيشه من وحدة وما تخلقه من شعور بالغربة في عالم غريب عنه يعيش في قطيعة مع واقعه المتردي لذلك يقول شاعرنا:
" والظلمة
في تلك العتمة
أجلس وحيدا
بلا ضوء"
وفي عالم مترد يزداد ذلك الشعور بالألم عندما:
"يصفعه ذلك الزلزال المخيف"
واقع يجعله يفقد ذاكرته فيصير "أشبه بالمجنون الأصم " ويصاب بنوع من الذهول أمام هول الكارثة ثم يصير اختناقا يعبر عنه في رأينا بعبارة طريفة في قوله:
" كأني أعجز عن
شهيق هذا الهواء"
فالشهيق عنده إنما هو استنشاق الهواء عله يتخلص من هذا الاختناق الذي لازمه في عالم فقد فيه الأمان والاطمئنان
ويبقى شاعرنا يحلق في عوالم بعيدة يتأرجح بين موجود بائس ومنشود يبتغي الوصول اليه بحلم يظل يراوده يتأرجح " بين أفكار تغرقه والأخرى تحمله الى سماء بعيدة"
غير أنه سرعان ما تعيده أو كما قال:
" ترمي بي
بقسوة على
سطح
واقعي
الحزين "
إنها العودة الى واقع مفروض عليه فرضا يجد نفسه فيه يطفو على سطحه وليس في أعماقه وجوهره أو لبه لذلك تنتهي القصيدة بنا في نوع من المخاتلة اللطيفة من شاعرنا الذي شاء أن يوهمنا بانه عاد إلى الواقع واستعاد تصالحه معه ولكنه سرعان ما يصدع بخلاف ذلك لأنها عودة يرافقها شعور ممض بخيبة أمل كبيرة وبإحساس من الحزن والخوف يغمر ذاته ينتهي به الى تساؤل يخفي حيرته الشديدة الملازمة له إذ يقول:
" ما بال حبرك
دائم السواد يا قلمي "
نظرة سوداوية قاتمة عبر عنها بحبر أسود ينسجم مع لون الحزن الذي يسكنه يؤكد حالة "وجودية" لدى الشعراء الرومانسيين عادة تجعلهم في سعي دائم الى نحت ملامح الذات والحلم بتأسيس عالم بديل هو عالم الأحلام بعيدا عن واقع كله الانكسار والانحدار في سبيل تحقيق السعادة
ولذا لا نستغرب اذا ما وجدنا في القصيدة وفي سائر قصائد شاعرنا "مهند التميمي " رؤية قريبة من الرؤية الصوفية التي تتجلى في هذا التساؤل عن منزلته كانسان في هذا الكون أو الوجود عندما وجد نفسه امام مشهد هو طرف فيه " مشهد الزلزال المخيف'" المرعب لا يستطيع نكرانه لذا سعى الى خلق نوع من التوافق أو الانسجام بينه وبين الواقع أو بين الطبيعة لذلك توسل بخياله الخلاق لسبر كنه ذاته فكأنه يعانق المطلق بطموح لا ينتهي الى ملامسة ذرى الوحدة الكونية في سعي إلى تجاوز الحيرة الممضة والشك المضني والقلق العاصف بالنفس بركوب الخيال وسيلة يعرج بها إلى دنيا الكمال في رحلة محفوفة بالتيه والضياع لا تخلو من مطبات الألم والوجع من أجل تحقيق الالتحام بالكون في مستواه المادي والمعنوي والانسجام بعناصره والتناغم معها ولعل هذه الأسباب مجتمعة هي التي جعلتنا نصنف شاعرنا من الشعراء الرومانسيين جعلت منه إنسانا ذا طاقة جبارة مكنته من تجاوز الظواهر الزائفة والخداعة وإدراك ما يكمن وراءها من قوى تسير الحياة على أساس من الوحدة الكلية التي تتجلى في الطبيعة وكان تبعا لذلك هذا الرحيل في الذات وفي الوجود وفي النفس العليلة بلقاء الحلم وأمل لا يخبو في عتمة الظلام الذي يخيم على نفس متعبة جسمه في خطاب شعري قائم على التساؤل في سعي دؤوب الى الالتحام بالكون المطلق بصور رمزية يتجانس فيها الدال بالمدلول بعيدا عن ذلك التجانس الاعتباطي لأنها محملة بأبعاد ودلالات لا شك في أنها تغرينا بالتمعن فيها والغوص في معانيها من أجل فك شفراتها التي تبدو أحيانا عصية علينا لإدراك مكامنها !!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق