الثلاثاء، 18 يونيو 2019

قصة بعنوان / ليلة صماء / بقلم الشاعرة / ماجدة رجب





( ليلة صماء )

دفعت الباب بقوة ،دخلت باحة كبيرة حيث نافورة قديمة ثم تهالكت على كرسي هرم وبدأت تحدق بالمكان نبيتات هنا وهناك ،وزهيرات الياسمين التي تيبس بعضها وأوراق شجرة الليمون المبعثرة في كل الأرجاء والمتداخلة ألوانها ،من اللون البنيّ الدّاكن الى الأصفر الذي يميل لونه الى الخضرة الى ألوان أخذت منها الريح والشمس نضرتها ،
كانت النسيمات تتلاعب بها حول حوض الماء فتجدها وكأنها تتسابق لتأخذ مكانها في زاوية ما لتستقرّ و ترتاح بعد عناء الدوران الطويل في فناء الدار ،،،
زقزقة العصافير تملأ المكان وغصن الكرمة يتدلى على حافة النافورة مثقلا بحبات العنب المتوردة الخد ،وشجرة الرمان شامخة في الطرف الأيمن من الحوش متبرجة بأبهى حلة من الجلنار،،،والطفلة مريم تملأ فناء الدار بالضحكات وسعد الصغير لا يهدأ ،يجري هنا وهناك ،يأخذ الجفنة تلو الجفنة ماء ويرشقها ليبلل جسد مريم الصغير وكأنه يتمتع بصيحاتها ليحسّ بانتصاره عليها حين يبلل فستانها الزهري الناعم ،،،،
ها رائحة القهوة المتبلة بالهيل تنتشر في كل ارجاء الدار،،،
بها تعرف مريم الوقت ،انه وقت العصر قد حان ....
حمحم كعادته ،ودفع الباب بقوة لينتبه الجميع لقدومه فيهرعون لحمل مابيده ممّا لذّ وطاب من رزق يومه إثر يوم طويل شاق...
ارتبكت زينب وهي الزوجة المؤدبة الأصيلة وتلعثمت وكأنها لأول مرة ترى غلظة زوجها وحيّته تحية خجلة فهي لا تريد أن تظهر شوقها إليه أمام الصبيّان،ثم أسرعت وناولته كرسيه الملكي المعتاد،فرمى بكل جسده عليه وأخذ نفسا عميقا ،ثمّ بدأ يحلق بعينيه هنا وهناك وكأنّه يودع المكان،،،
تركت مريم اللعب و اتجهت الى السطل ملأته ماء و أحضرت كل ما يلزم ليغسل والدها اطرافه فهو منهك وعلامات التعب بادية على وجهه حتى انه لا يقوى على الوقوف أو الذهاب الى مكان الاغتسال،،
أما سعد الطفل المدلل ،وريث لقب العائلة لا يلفت انتباهه سوى الأكياس ،،، اتجه مسرعا إليها يفتحها الكيس تلو الكيس يبحث عن شهواته التي لا ترفض، من حلوى التفاح او ماشابهها من طلباته التي ترد ،فكل يوم طلب جديد وشهوة من شهواته الغريبة عكس مريم البنت اللطيفة الحنون التي ترضى بكل مايقدم إليها فهي لا تفكر الا في راحة والدها ولا تطلب الا مباركته له ودعواته لها بالنجاح في حياتها ،،،
سُكبت القهوة بالفناجين ووضعت الحلويات على الطاولة ...وبدأ الأب يحس بالارتياح شيئا فشيئا و أخذ يمازح ويلاطف مريم وسعد ويداعبهما كما تعودا منه ،وهما يقبلان جبهته و الإبتسامة لا تفارق وجه زينب حين ترى السعادة تملأ الدار حتى أن الأب ينسى تعب يومه طول النهار...
هدأ كل شيء في لحظة ،سكن صوت العصافير وصوت النافورة و عمّ السكون أرجاء الدار اختفت ضحكات مريم وابتسامة زينب ، و اختفى هرج سعد فلا أنفاس ولا حمحمة ولا تمتمة سوى عويل يهزّ الفؤاد هزّا وصراخ و نحيب لا يغادر الحنجرة فقد سكنها واستقرّ فيها...
رائحة دخان لا تعرف مصدرها منبعثة من مكان قريب ،فقد ألف انفها استنشاقه ،،هذه الرائحة الممزوجة بالأتربة ورائحة الدم ،،،
أخذت مريم تفرك عينيها بعد أن جفّفت ما تبقى على وجنتيها من دمع....
ثم اتجهت هناك الى سطل أكله الصدأ ملأته ماء ،رشّت به فناء الدار وسكبت بقدر منه تحت الدالية وآخر تحت شجرة الرمان ثم روت بقية الشجيرات وبعدهاّ أخذت تملأ بعض الأواني التي وجدتها هنا هناك ماء و كأنها تستجديهما للدعاء والرحمة لكل من غادر هذا المكان في ليلة صماء


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق