الجمعة، 21 يونيو 2019

قصة بعنوان / ما أحلى الرجوع إليه / بقلم الشاعرة / زينب بوخريص





( ما أحلى الرجوع إليه )

وهبته نضارة شبابها، أحبته حبا بلغ مداه، فبادلها حبا بحب.لم يستغرقا وقتا طويلا، بين التعارف والخطبة وموعد الزفاف. كانا متفقين على كل شيء ، منسجمين انسجاما لا مثيل له. زادت سعادتهما عندما ازدانت حديقتهما بزهرتين جميلتين، رعياهما وسقياهما حبا وحنانا. كان عاطف اسما على مسمى: عطوفا ، ودودا،، لم يدخر وسعا في إسعاد أسرته الصغيرة،،،حتى كانت موضع حسد من المقربين منها. تقاسما المسؤوليات، و نهض كل واحد منهما بدوره المنوط له، بكل تفان وإخلاص. هذا مااتفقا عليه منذ البداية،،، أن يكونا معا في السراء والضراء وأن يتشاركا في تحمل أعباء الحياة،،،كانت سلمى تعمل أستاذة بمعهد مجاور، بينما كان عاطف إطارا بشركة خاصة. مضت الأعوام على وتيرة واحدة،،، لا يعكر صفو حبهما شيء،،،سماؤهما مجلوة من المشاكل سوى بعض الخلافات البسيطة التي تحدث بين كل الأزواج.
"لكن دوام الحال من المحال" كما يقولون، إذ بدأت سلمى تشعر بتغير زوجها معها. أصبح غير مبال بها،، دائم الانشغال عنها وعن ابنتيها،،،اكتسب عادات جديدة لم تعهدها فيه: أصبح ملولا،، عصبي المزاج حتى لأتفه الأسباب... يتعلل بحجج واهية ويخرج من المنزل ليعود إليه في ساعة متأخرة، فيتعشى دون شهية ويخلد الى النوم. كان يبرر ذلك بضغط العمل والمسؤوليات الملقاة على عاتقه...
لم يعد ذلك الرجل اللطيف: الشخص الذي عشقت طيبته و حنوه،،،أربكها تغيره المفاجىء، فبحثت عن الأسباب لكنها عجزت عن إيجادها...انكبت على شكلها الخارجي تغيره، و تجمله،، علها تجد استحسانا لديه فيعود إلى سابق عهده: محبا ودودا. قصت شعرها وغيرت لونه،،،، واقتنت فساتين جديدة مغرية،،، لم تترك جزئية في مظهرها إلا واهتمت بها -وهي الحريصة دائما على أناقتها وجمالها- أسرفت في وضع الزينة و العطر علها تلفت انتباهه،،، لكن جهودها كلها ذهبت أدراج الرياح...فما من مجيب لندائها. بدأت الهوة تتعمق بينهما وتتسع. سألته آلاف المرات عن سبب تغيره،لكنه كان يجيبها إجابات لاتشفي غليلها. استشارت صديقتها المقربة في الأمر فحذرتها من مغبة أن يكون زوجها عاشقا لامرأة أخرى. فتضاعفت حيرتها ونمت شكوكها ومخاوفها. تنازعتها الوساوس وتقاذفتها الظنون.. كيف تسللت هذه المرأة لحياته في غفلة منها؟؟ ما الذي ينقصها حتى يبحث عن بديلة؟؟ ازداد استغرابها وهي تلاحظ إعياءه الشديد،،، وتراه وهو خائر القوى،،، وقد تسلل الخمول إليه والوهن حتى انسحب من كل واجباته،،، أصيبت بالفزع،، خافت سلمى على عشها الآمن،، وكرها الدافىء خافت أن تتقوض أركانه وتتهدم أسسه. هل خبت جمرة حبه لها بعد أن كانت ملتهبة؟؟ وزاد عذابها كلما استرجعت كلامه السابق لها :
-أنت المرأة الوحيدة في حياتي . لم أحب ولن أحب غيرك."
كان هذا الكلام يبعث السكينة والبهجة في نفسها. هل كان مجرد مخدر لذيذ لتستفيق بعده على كارثة؟؟ سيطر عليها الإحساس باليأس و قد استعصى هاتفه على الفتح بعد أن وجدته مشفرا. حينها بدأت تستسلم الى شكها وقلقها الموئسين..و تتأكد من خيانته بما لا يدع مجالا للريبة. لم يعد أمامها خيار سوى مواجهته و من ثم مغادرة المنزل والانسحاب نهائيا من حياته. فما لبثت أن اتخذت السبل لذلك،، فلملمت أغراضها وكل ماتحتاج إليه هي وبناتها، وبقيت تنتظر قدومه.
لم يتأخر يومها في العودة،،،كان مزهوا هذه المرة يدندن لحن أغنية لمطربتهما المفضلة "نجاة الصغيرة" لطالما ردداها سويا: "ارجع الي". وقد أخفى وراء ظهره باقة ورد. أ تراه ندم، و تخلى عن حبه الجديد وثاب الى رشده؟؟ تقدم نحوها بخطى ثابتة وطوقها بذراعيه من الخلف كما كان يحب أن يفعل دائما. همس لها في أذنها برفق: " أحبك. أحبك أحبك. لم أتوقف يوما واحدا عن حبك" لم تنبس ببنت شفة بقيت واجمة وسط ذهولها الشديد لكنه استرسل قائلا:
أعرف أنني كنت مزعجا، ثقيل الظل في الفترة الأخيرة،،،لكن ذلك خارج عن نطاقي. لم أستطع إخبارك بأمر مرضي،، وعجزت على أن أكون هادئا...انتفضت من بين يديه كعصفور صغير، وقالت له باستنكار:
"-تقصد انك مريض. وماهو مرضك؟؟ مما تشكو هيا أخبرني. صبت وابل اسئلتها دفعة واحدة، فما كان منه إلا أن شفى غليلها هذه المرة. فسرد عليها قصته مع الورم الخبيث الذي هدد حياته... لكنه استطاع بفضل إرادة الله وتمسكه بالحياة من اجل أسرته التغلب عليه. وقد تأكد من ذلك للتو بعد أن اطلع طبيبه الخاص على نتائج التحاليل الطبية. نزلت دموعها مدرارة، أنبت نفسها كثيرا على سوء ظنها به. احتضنته وطلبت منه أن يسامحها...
كانا في الصباح يجلسان الى طاولة الطعام يدندنان سويا: ما أحلى الرجوع إليه!!
بينما هما يعيشان في ألفاف نشوتهما،، إذ سمعا طرقات متتالية على الباب،، أسرعت سلمى لتفتح فوجدت امرأة فائقة الحسن أمامها، سألتها حتى قبل أن تلقي عليها التحية:
-هل عاطف موجود؟؟؟

17/6/2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق