الاثنين، 24 يونيو 2019

عنوان القصة / أمواج هادرة / بقلم الشاعرة / زينب بو خريص

🌸أمواج هادرة🌸 الفصل الأول
بسطت الشمس أشعتها الذهبية على الكون، فأنارته، وانعكست على القرية البعيدة، الهادئة، فأيقظتها من سباتها العميق، معلنة عن بداية يوم جديد،،، ما إن لمحت فاطمة تباشير الصباح الأولى،، حتى أفاقت، تعد نفسها،، لتلتحق بمجموعة النسوة الذاهبات الى الحقل، حملت زادها معها وقارورة الماء، وغادرت مسرعة خوفا من أن تتخلف عن الركب. تركت ابنها نائما في المنزل لم تشأ أن تحدث صوتا، حتى لا توقظه فيتشبث بالذهاب معها،، كانت لا ترغب في أن يعمل معها في الحقل،، لا تريده أن يتكبد مشقة العمل. تركت له على المنضدة بعض الطعام حتى يجد ما يقتات به في غيابها،، نظرت له بحنو كبير،، وغادرت المنزل. 
 صعدت إلى الشاحنة المكتظة بالنسوة أمثالها ممن سلكن الدرب الشائك. ألقت عليهن التحية الصباحية،،، وبقيت تصغي لهذرهن الذي لا ينتهي،،،لم تكن فاطمة مثلهن،، كانت تميل أكثر إلى الصمت،،، لكنها كانت تتابع ما يدور بينهن من أحاديث تعودت سماعها منهن،، كن يتحدثن بلا توقف عن كل شيء: عن أزواجهن وأبنائهن، عن شؤون المنزل وكثيرا ما كن يتناقلن أخبار القرية وما يستجد فيها من أحداث....
لم تكن تشاركهن الحديث إلا نادرا. بل لم تكن -في أغلب الأحيان-، تلق بالا لهن. كانت الطريق الفلاحية وعرة ،،لا تخلو من مخاطر، وكانت الشاحنة تسير متثاقلة،،في طريق متعرجة خطرة، محدثة أزيزا مزعجا كلما لامست عجلاتها الاسفلت، لاسيما وأن عدد الراكبات في الخلف كبير،، تتنازعها أحيانا مشاعر الخوف،، لم تكن تخشى الموت في حد ذاته، كل ماكانت تخشاه، أن تموت وتترك ابنها الوحيد بلا سند و لاعائل،،، فهي كل ما لديه في هذه الحياة، بعد أن تركها زوجها و هاجر إلى الخارج،،،، كانت حينها حاملا بابنها في الأشهر الأولى،،، وكان زوجها يعمل في الحقول لقاء مبلغ زهيد،،، لم يكن يكفي لسد سغبهما،، فكر زوجها في اتخاذ سبيل لتحسين وضعية أسرته المادية، خاصة وأنهما سيرزقان بمولود في غضون أشهر،،  فلم يجد سوى الهجرة الى الخارج، ملتحقا بأخيه المقيم هناك. فاتصل به وطلب منه أن يهيء له أمر السفر،،  عله يظفر بشغل ،، ثم يرسل لزوجته حتى تلتحق به -أو هكذا أوهمها- كان له ما أراد،،،  التحق بأخيه،، ووعد فاطمة بأن يرسل في إثرها، ما إن يتمكن من إيجاد شغل والاستقرار هناك. مضت الأشهر ووضعت مولودها،، و لم تتلق أي اتصال من زوجها. لم تكن تعرف عنه شيئا. وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة ليختفي إلى الأبد. استفسرت عنه كثيرا،،سألت عائلته علها تعرف عنه شيئا،،، لكنها لم تظفر بإجابة شافية لأسئلتها...ثم أصبح وجودها غير مرغوب فيه من قبل أسرته، كلما جاءت لتسأل عنه. أصبحت تسمع تلميحات عن ضرورة طلاقهما،، حتى يتمكن من الزواج بالفتاة التي ستجعل إقامته شرعية في البلد الذي يقيم فيه. وفعلا بدأت أسرة زوجها تتخذ الإجراءات اللازمة لذلك،، وما كان منها بعد ضغط شديد منهم، إلا أن أمضت على الوثائق الخاصة بإجراءات الطلاق بالتراضي بين الطرفين. لم تصدق في البداية،، كانت تحت وقع الصدمة،،،كيف يطلقها؟؟؟ أنسي وعوده لها؟؟ بهذه السهولة يتنكر لها ويتركها وراء ظهره لا عائل و لا معين؟؟ماذا عن ابنه الذي تركه في أحشائها؟ هل يتربى يتيما ووالده حي يرزق؟؟؟كان ابنها في الأشهر الأولى من عمره و لم تكن تملك المال لتسد نفقاتهما، و لم تجد سبيلا آخر سوى الخروج إلى العمل،، تمكنت من العثور على عمل في منزل أحد الأثرياء في القرية، كمعينة منزلية وكانت ربة البيت كريمة معها ومع ابنها،،، ثم أصبحت غير قادرة على الاستغناء عنها -خاصة وأنها كانت تعاني من مرض عضال أعجزها عن الحركة- فاقترحت عليها أن تقيم  معهم في المنزل، في  غرفة صغيرة لا تبعد كثيرا عن غرفتها. أسعدها ذلك كثيرا،، فانكبت على العمل بجد  وتفان شديدين، حتى لا تخيب ثقة سيدة البيت فيها، لاسيما وأنها كانت امرأة تفيض رقة وحنانا ، كانت تعطف كثيرا عليها وعلى ابنها،،،لكن الحياة أبت أن يتواصل هذا السخاء ،،فقد كشرت لها عن أنيابها مرة أخرى. فقد حاول صاحب البيت الدخول الى غرفتها بعد أن خلدت زوجته الى النوم،،، لكنه لم يستطع ذلك، لأنها أغلقت الباب من الداخل بإحكام، فاستعصى عليه فتحه. وعاد إلى مضجعه خائبا. لم تكن في السابق تغلق الباب،،، لكنها بدأت تفعل ذلك منذ أن رأت صاحب البيت ينظر إليها نظرات مريبة،، أو يتعمد الانفراد بها لتمتد يده إلى جسدها تتحسسه في جرأة لا مثيل لها،،،كانت تصده بقوة وتلوذ بالفرار. أصبحت تتحاشى التواجد معه في مكان واحد...لكن بعد أن أقدم على التسلل الى غرفتها لم يعد هناك مجال سوى الهرب من المنزل تحت جنح الظلام. جمعت ثيابها وبعض الأمتعة البسيطة وغادرت المنزل ملتحفة بسواد الليل. سترجع الى بيتها الصغير. وتبحث من الغد عن عمل آخر.
للشقاء بقية.
زينب بوخريص
22/5/2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق