( عين خبيثة )
كان يوما استثنائيا، عاشته أسرة "رياض" فقد تخرج ابنها البكر من الجامعة. عمت الأفراح القرية و توافد المهنؤون زرافات وأفرادا. يشاركون أسرة رياض احتفالهم ويتقاسمون معهم فرحتهم العارمة. رقص والده مع أهل القرية. كانت المرة الأولى التي يرقص فيها. وقد نذر أن يفعل ذلك يوم تخرج إبنه، لأول مرة في حياته. ولم لا يفعل؟؟ و قد أفنى عمره ينتظر هذه اللحظة. هرم من أجل أن يتحقق هذا الحلم...كان يعمل في الأرض بتفان و حب كبيرين. فتبادله الارض حبا بحب، فتغدق عليه، وتطرح خيرا عميما، حتى في سنوات الجدب، كانت أرض العم صالح معطاءة، بينما كانت بقية الأراضي شحيحة. سأله اهل القرية عن أسباب هذه الوفرة، كانوا يحسدونه علنا. يغبطونه على ما تدره عليه أرضه. يغالون في مراقبته وهو يحرث الارض او يزرعها، علهم يظفرون بإجابة لأسئلتهم الكثيرة. كان يعلل ذلك بمحبته الكبيرة لها. فهي قطعة من روحه. يسقيها بعرقه و يظفي عليها لمساته الحنونة، فيداعبها بفأسه أو ينثر البذار بيديه الحنونتين. فتنتج بمقدار محبته لها وحنوه عليها. لكنه لم يشأ أن يشغل إبنه بالعمل في الأرض، رغم مايكنه لها من حب. أراده أن يواصل تعليمه،ان يصبح مهندسا فلاحيا. حتى يطور مشروع والده، ويجعل من أرضه جنة. هاهو الحلم يتحقق، ورياض يتخرج من الجامعة مهندسا فلاحيا. كما أراد له والده أن يكون، وهو ما ضاعف من حسد أهل القرية. وأضرم نار الغيرة في قلوبهم السوداء. ألا يكفيه أن أرضه تعطي بسخاء، كم هو محظوظ!!استأثر بالحظ كله، ولم يترك لنا سوى الفتات. كانوا يقولون:"- ابن المحظوظة!! في اليوم الذي وزع فيه الحظ، كان أهل القرية يغطون في نوم عميق، بينما نال هو النصيب الأوفر..".لطالما رددوا هذا الكلام، على مسمع من صالح او ابنه رياض. وكثيرا ماكان العم صالح ينزعج من كلامهم الذي كان يقطر حسدا و خبثا، و ينضح كراهية وغلا. كان يخفي أمر نجاح ابنه بتفوق في الجامعة حتى لا يصيبه أحدهم بعينه الخبيثة، فيؤثر ذلك على نتائجه في المستقبل. "فالعين حق "كما كان يردد قائلا لزوجته :"- لا تخبري النسوة بنجاح ابنك فسوف يتناقلن الخبر.و يكون ابنك محل حسد أهل القرية" لكنها كانت تخبرهن، و توصيهن بكتمان الأمر، فينقلن بدورهن الخبر لازواجهن و تتناقله الألسن. فينتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم. "- رياض ابن صالح نجح كالعادة الم اقل لكم إنه ورث حظ أبيه. سيصبح عما قريب مهندسا زراعيا، و تتضاعف خيرات الارض على يديه بعد أن يطور الأرض و يجعلها قطعة من الجنة". لم يستطع صالح أن يخفي فرحته بنجاح ابنه وتخرجه من الجامعة. فهو الخبر الذي انتظره منذ سنين، لم يسعد في حياته كما سعد بنجاح إبنه البكر، وقد قرر أن يقيم له حفلا بهيجا يدعو له كل اهل القرية. نحرت الذبائح و أعدت زوجته رفقة بناتها و اخواتها وبنات الجيران، ولائم للمدعووين. و علقت أشرطة الزينة في كل مكان. و ارتدى صالح جبته الحريرية التي ادخرها لمثل هذا اليوم. و لبس رياض أجمل الثياب فبدا كعروس يوم زفافه. كان محل اهتمام أهل القرية، يعدون عليه حركاته وسكناته. فالنسوة كن يخططن ليستأثرن به زوجا لبناتهن. كل واحدة بالغت في تزيين ابنتها وأرسلتها الى الخالة خديجة حتى تساعدها في الاستعداد لهذا اليوم البهيج. كن يتسابقن لنيل رضى حماتهن المستقبلية. وكثيرا ما امتدحتهن أمهاتهن على مسمع من الخالة خديجة، التي كانت تضحك في سرها. وهي تعلم جيدا مبتغاهن، فتغالي في أوامرها لهن فيسرعن مذعنات...مزهوات. أصر صالح على ابنه أن يرقص معه و سط الجموع الغفيرة. تعالى صوت الطلقات النارية التي كان البعض يطلقها تعبيرا عن الفرح والابتهاج. و صدحت النسوة بالأهازيج، تصاحبها زغاريدهن، المختلطة بأصوات البنادق. وانتشرت في الجو رائحة البخور، وتعالى الدخان الذي حجب الرؤية. فجأة سمع صوت صرخة قوية. لم يعرف في البداية صاحبها. لكن سرعان ما لمحوا رياضا وهو يسقط أرضا ليتحول بعد ثوان الى جثة هامدة. فقد أصابه عيار ناري طائش من تلك الطلقات الكثيرة التي كانت تطلق في الهواء. ومازال اهل القرية الى الآن يتناقلون حكاية رياض الذي توفي يوم تخرجه. وهم لايعرفون إن كان العيار الذي أصابه طائشا أم أنه متعمد . 7 / 5 / 2019

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق